"الفتنة" في القرآن والسنة
الحمد لله وحده ، جعل موالاة المسلمين للكافرين من علامات الضلال والكفر والنفاق
أحمده تعالى وأشهد أن ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، أمر المسلمين بالاتحاد والاتفاق ، ونهاهم عن الاختلاف والتفرق والانشقاق
وأشهد ان نبينا وسيدنا ومولانا محمد عبده ورسوله ، أخبر بوقوع الفتن في الأزمان والآفاق ، وحذر أمته غوائلها المؤدية الى التنافر والتناحر بين الاخوة والرفاق
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته الذين نصروه وعزروه واتبعوا النور الذي أنزل معه على العهد والميثاق
أما بعد
يقول الله سبحانه في كتابه الكريم :{ الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ }
ويقول مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم ، والقائم فيها خير من الماشي ، والماشي فيها خير من الساعي ، من تشرف لها تستشرفه ، ومن وجد فيها ملجأ او معاذا فليعذ به }
وقال أيضا في حديث آخر:{ ستكون أحداث وفتن وفرقة واختلاف ، فان استطعت ان تكون المقتول لا القاتل فافعل }
دعونا اولا نلقي لمحة موجزة عن سبب نزول الآية الكريمة ونتعرف على المقصود من الفتنة في هذه النصوص
واسباب وقوعها وما هو الموقف الذي يجب ان يقفه المؤمنون ازاء الفتن عند وقوعها
اقول وبالله التوفيق
ان المراد بالناس في الآيات الكريمات{ أَحَسِبَ النَّاسُ } قوم من المؤمنين كانوا بمكة وكان كفار قريش يؤذونهم بأشد أنواع العذاب بغية افتانهم وردهم عن دينهم الذي اعتنقوه
ومنهم بلال وعمار بن ياسر وابيه وأمه وغيرهم كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكانت صدور هؤلاء المعذبين تضيق ازاء هذه المعاناة ، مما جعلهم يتساءلون مع أنفسهم كيف يُمَكن الله الكفارَ من عباده ؟ المؤمنين فنزلت هاته الآيات تسلية لهم وتعليما لغيرهم بأن سنة الله في عباده أن يمتحنهم ويختبرهم حتى يظهر الصادقون الصابرون من غيرهم
والآية وان كان سبب نزولها هو ما ذكرنا فهي باقية في أمة سيدنا محمد ما بقي الدهر وما بقي المتضادان الكفر والايمان على وجه هذه البسيطة
ففتنة الكفار للمسلمين في ثغورهم بالقتل والأسر والمكر والخديعة لا تزال في كل وقت وحين وتزداد حدة وشدة
ففي الحديث الذي رواه البخاري و أحمد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :{ أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فان كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وان كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه ، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة }
وقد ابتلى الله سبحانه وتعالى رسله وأنبياءه وأولياءه بأنواع من البلايا لا تعد ولا تحصى ...
اما الفتنة فمعناها في اللغة الابتلاء والامتحان والاختبار ، وهي مأخوذة من (فتن الذهب) اذا اختبره بالنار
وقد ترد الفتنة بمعنى العذاب كما في قوله عز وجل :{ يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون}
وقد ترد بمعنى الشرك كما في قوله تعالى :{ والفتنة أشد من القتل }،{ والفتنة أكبر من القتل} ، {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}
وقد ترد الفتنة بمعنى العبرة كما في قوله جل وعلا : {لا تجعلنا فتنة للذين كفروا}،{لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين}
بم تقع الفتنة :
الفتن تحصل بأشياء كثيرة في مقدمتها : الاغترار بالملك والجاه
فكم من الناس من يفتنه الملك فيظلم ويطغى ويفتك ويبطش ويأكل أموا الناس بالباطل فلا يطول به زمن حتى تدول دولته وتذهب صولته ويصير الى ذل وهوان بعد ملك وجاه وعز
واذا امتد به الزمان واستدرجه الله من حيث لا يعلم صار الى أجله المحتوم فانتقل من بهجة القصر الى ظلمة القبر
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :{ ان الله ليملي للظالم حتى اذا أخذه لم يفلته}
الشئ الثاني الذي تقع به الفتنة : هو الاغترار بالأموال والأولاد والنعم { فاذا مس الانسان ضر دعانا ثم اذا خولناه نعمة منا قال انما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون }، {انماأاموالكم و أودلادكم فتنة}
فكم من الناس فتن بماله فظن انه أحسن الناس وأنه لا سبيل لأحد أن يصل درجته فاستعمل هذا المال فيما يغضب الله ولا يرضيه
وكم من الناس فتن بأولاده فأقرهم على ترك الطاعات وسكت عنهم في فعل المعاصي
بل واتجه معهم في اعتناق المذاهب الغريبة والضالة مفتخرا متباهيا بما وصلوا اليه من حمل الشهادات والحصول على المراكز المهمة في الدولة
الشئ الثالث الذي تقع به الفتن موالاة المسلمين للكافرين قال الله تعالى: { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض الا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير }
ومعنى الآية أن الله عز وجل حرم الولاية والنصرة بين الكفار والمؤمنين فجعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض ، والكفار بعضهم أولياء بعض ، يتناصرون بدينهم ويتعاملون باعتقادهم
لأن المجتمع الكافر لا يتحرك كأفراد وانما يتحرك ككائن عضوي تندفع أعضاؤه للدفاع الذاتي عن وجوده وكيانه ، فهم بعضهم أولياء بعض
ومن ثم لا يملك الاسلام ان يواجههم الا في صورة مجتمع آخر له ذات الخصائص ولكن بدرجة أعمق وأمتن وأقوى
فاذا لم يفعل المسلمون ذلك ووالوا الكفار كما وقع في حرب الخليج ، فستقع الفتنة لأفراد المجتمع الاسلامي لأنهم لا يملكون ان يواجهوا المجتمع الكافر المتكافل بأحلافه وموالاة المسلمين المتخاذلين له ، وتقع الفتنة بغلبة الكفر على الاسلام وبطغيان ألوهية العباد على ألوهية الله ووقوع الناس عبيدا للعباد بعد أن تحرروا وصاروا عبيدا لله الواحد القهار
وهذا أفسد الفساد في الأرض
وهل هناك فتنة أكبر من أن نرى العربي المسلم يقبل العلم الأمريكي !
ويحمله الشباب في أيديهم بفخر واعتزاز وفرحة يلوحون به كدليل على انتصارهم وتحرير بلادهم !
ممن حرروها ؟ وعلى من انتصروا لو كانوا يعقلون ؟
فهل هذا انتصار أم انتحار ؟ وهل هذا تحرر أم استعمار ؟!
لو كان مثل هذا العمل يعد انتصارا لما نهى الله عز وجل عنه ولما تبرأ من فاعليه حيث قال في كتابه الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من يديه ولا من خلفه : {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ }
فليس بعد هذا النذير نذير ولا بعد هذا التحذير تحذير، فانها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور
والسؤال المطروح هو : هل للمجتمع الغربي من المزايا والخصال الحسنة ما يغري الانسان المسلم المؤمن بربه ويجعله يرتمي في أحضانه بالنصرة والولاية والتأييد حتى على اخوانه وأبناء ملته وسكان بلدته ، كالعدالة والمروءة وفعل الخير والبر والاحسان وغيرها من الخصال الحميدة التي تحقق لصاحبها السعادة في الدنيا والفوز بالنعيم الدائم في الحياة الآخرة ؟
الجواب : كلا وألف كلا ، فليس عند الغرب شئ من هذا كله الا ظاهريا ونسبيا ومن يطلع على حقيقة المجتمع الغربي عن قرب قد يفاجأ بما يوجد فيه تفكك اجتماعي وانسياق وراء المصالح المادية واختلال موازين العدالة الاجتماعية التي تستمد روحها من القوانين الوضعية التي وضعها البشر
ومهما كان واضعو هذه القوانين من ذوي الكفاءات العلمية المشهود لها بالبراعة وذوي الشهادات العليا المعترف بها عالميا
فانهم لن يكونوا أعلم بالانسان وما يحتاجه من قوانين وتشريعات تنظم حياته الدنيوية والأخروية معا من خالقه وبارئه
{ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}
نعم عند الغرب من التقدم الصناعي والتكنولوجي ولا سيما الصناعة العسكرية والحربية وغيرها من الصناعات التي لا تتعدى فوائدها واغراضها هذه الحياة الفانية التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة ، وشبهها بقائل تحت شجرة ثم راح وتركها ...
ولكن ما يضمن السعادة في الدراين معا لا يكفله هذا التقدم العلمي والتكنولوجي مهما بلغ من رقي
ولا يفهم من قولنا وفقكم الله اننا ضد التقدم الصناعي وما يوفره للانسان من اسباب الراحة والرفاهية
لا أبدا أيها الاخوة
انما الذي اود أن أنبهكم اليه ان البناء أي بناء ، اذا تداعت وضعفت أعمدته التي يقوم عليها فان انهياره قريب لا محالة مهما حاولنا الاصلاح والتطوير، لأن الأساس منذ البدء غير متين
وقد عاش العالم كله هاته الحقيقة عند انهيار "ارم ذات العماد" الأمريكية يوم الحادي عشر من سبتمبر المنصرم
في دقائق معدودة تهاوى ذلك البناء العظيم وتبعته سلسلة من الانهيارات المادية والمعنوية في امريكا كلها حكومة وشعبا
انهيار في العقول وانهيار في الاعصاب وانهيار في الاقتصاد وانهيار في العدالة والانصاف وانهيار في الديمقراطية الكاذبة وانهيار في القيم الانسانية كلها ... وستبدي لنا الايام المزيد والمزيد من هذه الانهيارات
الشئ الذي جعل امريكا تنصب نفسها خصما وحكما في آن واحد ولا تحتكم الى عقل ولا تعترف بقانون
وكل أمة وصلت الى هذا المستوى من الغطرسة والكبر والاغترار بالقوة ، مآلها الانهيار في جميع مرافق الحياة سياسيا واقتصاديا وصناعيا ... وصدق الله العظيم اذ يقول : {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا}
وقوله :{ ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا}
فاللهم انا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، ونعوذ بك من الخيانة فانها بئست البطانة
ونعوذ بك من الذل والجبن والاستكانة
ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال
ونعوذ بك من الكفر والفقر و وسوسة الصدر وشتات الأمر وعذاب القبر وعذاب النار
انك سميع مجيب الدعوات
آمين آمين وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
**********************************************
خطبة اليوم من إلقاء والدي الحبيب سنة 2002 بمدينة طنجة



اترك تعليق: