الكلمــــة أمانــــــــة
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ ، وأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَلِيُّ الصَّالحينَ، وأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنا مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ ورسولُه، وصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وخَلِيلُه، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ والتَّابِعِينَ ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلى يوم الدِّينِ.
عبادَ اللهِ: أوصيكُمْ ونفسِي بِتَقْوَى اللهِ فإنَّهُ مَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُعْظِمْ لَهُ أَجْراً.
أمَّا بَعْدُ : فإنَّ الكَلِمَةَ أمانةٌ ، وقد أمَرَنا اللهُ جَلَّ شأنُهُ بأداءِ الأمانةِ في قولهِ تعالى:(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً).
وقال تعالى :(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وعن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ-رضي الله عنه- أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: ”اضْمَنُوا لِي سِتّاً مِنْ أنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الجنَّةَ، اصْدُقُوا إذا حَدَّثْتُمْ، وأَوْفُوا إذا وَعَدْتُمْ، وأَدُّوا الأمانةَ إذا ائْتُمِنْتُمْ، واحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ“.
عبادَ اللهِ : إنَّ الكلمةَ مِفْتَاحُ الخيرِ، ومِفْتَاحُ الشرِّ أيضاً، وكمَا أنَّها أداةُ بناءٍ فهيَ أيضاً مِعْوَلُ هَدْمٍ ، لذلكَ جاءَ أمرُ اللهِ سبحانَهُ أنْ لاَ نقولَ إلاَّ حُسْنًا ، وأنْ لاَ نتركَ الشيطانَ ينْزَغُ بينَنَا ويُوقعُ العداوةَ والبغضاءَ ، قالَ تعالَى :( وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنـزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا ).
أيها المؤمنونَ: وبأداءِ الأمانةِ في الكَلِمَةِ يَسُودُ الحبُّ والوِئامُ، ويَكْثُرُ الخَيْرُ ويَتَضاعَفُ العطاءُ، ويَتَّسِعُ البناءُ ، وتَتَألَّقُ الفضائِلُ وتَزْدَهِرُ الحياةُ، ونَنَالُ رِضْوانَ اللهِ عز وجل ، وبخيانةِ الأمانةِ في الكَلِمَةِ تَتَقَطَّعُ أواصِرُ المحَبَّةِ، ويَقِلُّ الخَيْرُ، ويَتَصَدَّعُ بُنْيانُ الأخلاقِ .
وعَنِ الآثارِ الإِيجابِيَّةِ والسَّلْبِيَّةِ للكَلِمَةِ ، قالَ تعالَى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ).
وقالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالاً يَهْوِى بِهَا فِى جَهَنَّمَ».
واعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أنَّ أداءَ الأمانةِ في الكَلِمَةِ يَشْمَلُ ما دَقَّ وجَلَّ مِنْ أعمالِ الناسِ، ويَسْتَوْعِبُ شُؤونَ الدنيا والآخرَةِ.
أيها المؤمنونَ : ومِنَ الأمانةِ في الكَلِمَةِ التَّناجِي بإصلاحِ شؤونِ المجتمع. ثَلاَثَةُ أُمُورٍ مِنْ صَمِيمِ حَيَاةِ النَّاسِ يَتَوَقَّفُ نَجَاحُها وكمالُ الخيرِ فيها على السِّرِّ والنَّجْوَى لِتَعَلُّقِها بِهَيْبَةِ النَّاسِ وكَرَامَتِهِمْ وهي : الصَّدَقَةُ، والمعْرُوفُ، والإِصْلاحُ بَيْنَ الناسِ ، قالَ تعالَى :(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً).
أيها المسلمونَ : وَمِنَ الأمانةِ في الكَلِمَةِ الشُّكْرُ والثَّناءُ ، فالشُّكْرُ على صَنَائِعِ المعروفِ ، والثَّنَاءُ علَى مَعَالِي الأُمُورِ يُوقِظُ الهِمَمَ ، ويعززُ رُوحَ السَّعْيِ والعَزْمِ والإقْدَامِ.
قالَ تعالَى في الثَّنَاءِ علَى سيدنا إبراهِيمَ - عليه السلام - والتَّنْويِهِ بِخِصَالِهِ ومَوَاهِبِهِ التي جَعَلَتْهُ إِمَامَاً قُدْوَةً :(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً للهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ).
وقال رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في مَعْرِضِ الثَّنَاءِ علَى صَنائِعِ سيدِنَا أبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- والتَّنْوِيهِ بِأَيَادِيهِ البَيضَاءِ :« إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَىَّ فِى نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى قُحَافَةَ ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً ، وَلَكِنْ خُلَّةُ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ ، سُدُّوا عَنِّى كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِى بَكْرٍ ».
وما أَحْسَنَ قَوْلَ الشَّاعِرِ :
لَأَشْكُرَنَّكَ مَعْرُوفَاً هَمَمْتَ بِــهِ إنَّ اهْتِمَامَكَ بِالمعْرُوفِ مَعْرُوفُ
ولا أَلُومُكَ إنْ لَمْ يُمْضِـهِ قَـدَرٌ فَالشَّيْءُ بالقَدَرِ المحْتُومِ مَصْرُوفُ
عبادَ اللهِ : ومِنْ صُوَرِ أداءِ الأمانةِ في الكَلِمَةِ الشهادةُ. لقد شُرِعَتِ الشَّهادَةُ لإظهارِ الحقِّ، ولذا ينبغي ابْتِدَاءً ألا نَكْتُمَها، وأنْ نَتَحَرَّى فيها الحقَّ حِينَ الإِدْلاءِ بِها دُونَ مُحَاباةٍ لِأَحدٍ، قال تعالى : (وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ).
وعَنْ أَبِى بَكْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- :« أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» ثَلاَثًا قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ . قَالَ :« الإِشْرَاكُ باللهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ». وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا ، فَقَالَ :« أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ». قَالَ : فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ.
عبادَ اللهِ: ومِنَ الأمانةِ في الكَلِمَةِ قَولُ الحقِّ ، فقَوْلُ الحقِّ فَضْلاً عَنْ كَوْنِهِ شَجَاعَةً هُو تَمكينٌ للحقِّ وإِقْرَارٌ له حتى يَعُمَّ الخَيْرُ أَرْجاءَ الأرضِ، وهو في الوقتِ نَفْسِهِ تَعْبِيرٌ عَمِيقٌ عن مَدَى الشعورِ بالمسؤوليةِ ومَدَى الرَّغْبَةِ في أن تَنْجُوَ الأُمَّةُ كُلُّها مِنْ عَواقِبِ السُّكُوتِ عن قَوْلِ الحقِّ ، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ-رضي الله عنه- قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-:« لاَ يَحْقِرْ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ » قَالُوا: يَارَسُولَ اللهِ كَيْفَ يَحْقِرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قَالَ :« يَرَى أَمْرًا للهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ ثُمَّ لاَ يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللهُ -عزوجل- لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِي كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: خَشْيَةُ النَّاسِ ، فَيَقُولُ: فَإِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى».
أيها المؤمنون: إنَّ صُوَرَ أداءِ الأمانةِ في الكَلِمَةِ كثيرةٌ ، وجميعُ هذه الصُوَرِ تُؤَكِّدُ على شَأْنِ الكَلِمَةِ وخُطُورَةِ الخِيَانَةِ فيها، ولِذا يجب على الناسِ بصفةٍ عامَّةٍ ، وعلى حَمَلَةِ الأَقْلامِ وأصحابِ الكَلِمَةِ من الخُطَباءِ والشُّعَرَاءِ والكُتَّابِ والمفكرينَ والمثقفينَ بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ أن يتقُوا اللهَ في الكَلِمَةِ، وأن يُرَاعُوا حُرْمَتَها وكَرَامَتَها، وأن يجعلُوها أداةَ بِناءٍ .
أقولُ قولِي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكمْ .
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمينَ ، وأَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ مُوَفِّقُ العامِلِينَ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ المخْلُوقِينَ وأَكْرَمُ السَّابِقِينَ والَّلاحِقِينَ، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وعلى آلِهِ وأصحابِهِ والتَّابِعِينَ ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلى يومِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبادَ اللهِ ورَاقِبُوهُ في أَقْوَالِكُمْ وأَفْعَالِكُمْ ، فإنَّهُ مَا يَتَكَلَّمُ الإنسانُ كَلِمَةً ولا يَتَلَفَّظُ لَفْظَةً إلاَّ لَدَيْهِ مَلَكٌ يَرْقُبُ قَوْلَهُ ويَكْتُبُ عَمَلَهُ، قال تعالى:(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى :(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَاجْمَعِ اللَّهُمَّ أُمَّتَنَا عَلَى الْخَيْرِ، وَسَدِّدْ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ خُطَاهُمْ، اللَّهُمَّ أصلحْ لنا دينَنَا الذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا وأصلحْ لنا دُنيانَا الَّتِي فيهَا معاشُنَا وأصلحْ لنا آخِرَتَنَا التي فيها معادُنَا، واجعلِ الحياةَ زيادةً لنا في كُلِّ خَيْرٍ واجعلِ الموتَ راحةً لنا منْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ لاَ تَدَعْ لَنَا ذَنْبًا إِلاَّ غَفَرْتَهُ، وَلاَ دَيْنًا إِلاَّ قَضَيْتَهُ، وَلاَ مَرِيضًا إِلاَّ شَفَيْتَهُ وَعَافَيْتَهُ، وَلاَ حَاجَةً مِنْ حَوَائِجِ الدُّنْيَا إِلاَّ قَضَيْتَهَا وَيَسَّرْتَهَا لَنَا يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ، وَيَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ...
أذكروا الله العظيم يذكركم واستغفروه يغفر لكم ، وأقم الصلاة ...
*****************************************
www.iacad.gov.ae

إذا افتخروا بقيس أو تميم
اترك تعليق: