منصة زاجل الإجتماعية

تقليص

مختارات من خطب الجمعة

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • سُلاف
    رد
    رد: مختارات من خطب الجمعة

    المشاركة الأصلية بواسطة سمسم مشاهدة المشاركة
    اللهم اصلح احولنا وقومنا وقوينا وارفع رايه الاسلام عاليا
    دعواتكم لنا ولاهلنا في سوريا ومصر والامن والامان لجميع بلادنا العربيه
    جزاك الله شقيقتي الغاليه سلاف على نقل الخطب الواعظه

    اللهم آمين يا رب العالمين

    أسأل الله اللطف فيما جرت به المقادير

    اترك تعليق:


  • سمسم
    رد
    اللهم اصلح احولنا وقومنا وقوينا وارفع رايه الاسلام عاليا
    دعواتكم لنا ولاهلنا في سوريا ومصر والامن والامان لجميع بلادنا العربيه
    جزاك الله شقيقتي الغاليه سلاف على نقل الخطب الواعظه

    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد






    طلب المعالي بالأعمال الصالحة







    الخطبة الأولى


    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.


    أما بعد، أيها المسلمون:


    اتقوا الله حقَّ التقوى؛ فتقوى الله نورُ البصائر، وبها تحيا القلوبُ والضمائر.


    أيها المسلمون:


    اتَّصَفَ الله - جل وعلا - بالأسماء الحُسنى وبالصفات العُلَى، وهو - سبحانه - يُحبُّ مُقتضَى صفاتِه وظُهورَها في العبادِ، وأفعالُ الله تعالى على التمام والكمال؛ فخلقَ الخلقَ وأتقنَ ما صنَع، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ


    وأنزلَ كتابَه فأحكَمَ ألفاظَه وفصَّلَ معانِيَه، كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
    والله تعالى مُحسِنٌ وأمرَ عبادَه بالإحسان، فقال: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
    قال البغوي - رحمه الله -: "أي: أحسِنوا أعمالَكم وأخلاقَكم".


    وإحسانُ العمل واجبٌ على كل عبدٍ، قال - عليه الصلاة والسلام -: «إن اللهَ كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ»؛ رواه مسلم.
    قال ابن رجبٍ - رحمه الله -: "أي: كتبَ على كل مخلوقٍ الإحسانَ".

    وأثنَى النبي - صلى الله عليه وسلم - على من أحسنَ عملَه، فقال: «خيرُ الناس من طالَ عُمرُه وحسُنَ عملُه»؛ رواه الترمذي.
    وكانت أعمالُ الرُّسُل على الإتقان وكمال النُّصح؛ فنوحُ - عليه السلام - دعا قومَه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا ليلاً ونهارًا، ثم دعاهم جِهارًا، ثم أعلنَ لهم وأسرَّ لهم إسرارًا.
    وأثنَى الله على إبراهيم بقولِه: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى

    قال قتادةُ - رحمه الله -: "وفَّى طاعةَ الله وأدَّى رسالتَه إلى خلقِه".

    وحياةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت على تمام المِثال والإحسانِ، وأمرَ الله العبادَ بالاقتِداء به، فقال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا

    ومن فضل الله على عباده: أن نوَّع لهم الطاعات اعتِقادًا وعملاً وقولاً، وجعلَ أعظمَ الثوابِ للمُحسنين، قال - سبحانه -: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ

    قال ابن كثيرٍ - رحمه الله -: "ما لمن أحسنَ العملَ في الدنيا إلا الإحسانَ إليه في الآخرة".
    وإذا حسُنَ مُعتقدُ العبدِ ضُوعِفَت أجورُه، قال - عليه الصلاة والسلام -: «إذا أحسنَ أحدُكم إسلامَه فكلُّ حسنةٍ يعملُها تُكتَبُ له بعشر أمثالِها إلى سبعمائة ضِعفٍ، وكلُّ سيئةٍ يعملُها تُكتَبُ له بمثلِها»؛ متفق عليه.


    ومن قال كلمةَ التوحيد بيقينٍ، وعمِلَ بمُقتضاها بصدقٍ وإخلاصٍ واجتنَبَ نواقِضَها حرَّم الله وجهَه عن النار، قال - عليه الصلاة والسلام -: «إن الله قد حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغِي بذلك وجهَ الله»؛ متفق عليه.


    وإذا حقَّقَ العبدُ منزلةَ التوكُّل وفوَّضَ جميعَ أموره لله أدخلَه الله الجنةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ، «همُ الذين لا يسترقُون، ولا يتطيَّرون، ولا يكتَوُون، وعلى ربِّهم يتوكَّلُون»؛ متفق عليه.


    وأكملُ مراتِبِ الدين مرتبةُ الإحسان؛ لاشتِمالِها على الصِّدقِ ظاهرًا وباطنًا: «أن تعبُدَ اللهَ كأنَّك تراهُ، فإن لم تكُن تراهُ فإنه يراكَ»؛ رواه مسلم.
    وإذا أتقنَ المُسلمُ عبادتَه نالَ ثوابًا جزيلاً؛ فمن توضَّأَ فأسبغَ الوضوءَ ثم قال: «أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه؛ إلا فُتِّحَت له أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ يدخلُ من أيِّها شاء»؛ رواه مسلم.


    ورفعُ الصوت بالأذان مُستحبٌّ؛ «فإنه لا يسمعُ مدَى صوتِه جنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شهِدَ له يوم القيامة»؛ رواه البخاري.
    وإذا قال المُؤذِّنُ آخر الأذان: لا إله إلا الله، «فقال من سمِعَه: (لا إله إلا الله) من قلبِه دخلَ الجنةَ»؛ رواه مسلم.
    «وإقامةُ الصفِّ من حُسن الصلاة»؛ متفق عليه. و«خيرُ صُفوف الرجال أوَّلُها»، ومن السبعَة الذين يُظِلُّهم الله في ظِلِّه: «ورجلٌ قلبُه مُعلَّقٌ بالمساجِد»؛ متفق عليه.
    وإحسانُ الصلاة ثوابُها مُتوالِي؛ «فما من امرئٍ مُسلمٍ تحضُرُه صلاةٌ مكتوبةٌ، فيُحسِنُ وضوءَها وخُشوعَها ورُكوعَها إلا كانت كفَّارةً لما قبلَها من الذنوبِ ما لم يُؤتِ كبيرةً، وذلك الدهرَ كلَّه»؛ رواه مسلم.


    قال النووي - رحمه الله -: "التكفيرُ بسببِ الصلاةِ مُستمرٌّ في جميع الأزمان، لا يختصُّ بزمانٍ دون زمانٍ".
    «ومن توضَّأَ فأحسنَ الوضوءَ ثم أتَى الجُمُعةَ فاستمعَ وأنصَتَ؛ غُفِرَ له ما بينَه وبين الجُمعة وزيادةُ ثلاثة أيام»؛ رواه مسلم.
    «وركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها»؛ رواه مسلم.

    «وصلاةُ المرءِ في بيتِه أفضلُ من صلاتِه إلا المكتوبة، وأفضلُ الصلاة بعد الفريضةِ صلاةُ الليل».
    وللأمواتِ حقٌّ في الإحسانِ إليهم؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: «إذا كفَّن أحدُكم أخاهُ فليُحسِّن كفَنَه»؛ رواه مسلم.
    وقال عن صفةِ قبرِ الميت: «احفِروا وأعمِقُوا وأحسِنوا»؛ رواه النسائي.


    والبذلُ والعطاءُ ليس في الأجر سواء؛ فأفضلُ الصَّدَقَة: «أن تصَّدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ». وإخفاؤُها خيرٌ من إظهارها، قال - سبحانه -: وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ . ومن السبعَة الذين يُظلِّهُم الله في ظلِّه: «ورجلٌ تصدَّقَ بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُه»؛ متفق عليه.
    والصيامُ وجزاءُ الصائمين على درجاتٍ؛ فـ «من صامَ رمضان إيمانًا واحتِسابًا؛ غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه». و«أحَبُّ الصائمين إلى الله أعدلُهم فِطرًا، وأحَبُّ صيام النافِلة صيامُ داود - عليه السلام - كان يصومُ يومًا ويُفطِرُ يومًا». و«أفضلُ الصيام بعد رمضان شهر الله المُحرَّم».
    و«الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلا الجنة».


    وأجلُّ العلوم: علمُ الشريعة، قال - سبحانه -: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ
    وأسهلُ طريقٍ إلى الجنةِ سُلُوكُ العلم، قال - عليه الصلاة والسلام -: «من سلَكَ طريقًا يلتمسُ فيه علمًا سهَّلَ الله له طريقًا إلى الجنة»؛ رواه الترمذي.
    وأفضلُ أهل العلم همُ الرَّاسِخون فيه بالحفظِ والفهمِ والعملِ، قال الترمذي - رحمه الله -: "إنما تفاضَلَ أهلُ العلم بالحفظِ والإتقان".
    وخيرُ المُتعلِّمين من تعلَّم القرآن وعلَّمَه، ومن حفِظَ حديثًا وبلَّغَه للناس دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنَّضَارة: «نضَّرَ اللهُ امرأً سمِعَ منا حديثًا فبلَّغَه كما سمِعَه؛ فرُبَّ مُبلَّغٍ أوعَى من سامِعٍ»؛ رواه ابن حبان.


    «والقاعِدُ في الفتن خيرٌ من القائِمِ إليها»؛ متفق عليه. و«العبادةُ في الهَرْجِ كهِجرةٍ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -»؛ رواه مسلم.
    وأعلى منازِل الصبرِ: ما كان برِضًا لا سخَطَ فيه ولا جزَع.

    وأصدقُ الحديث كتابُ الله، والماهِرُ به من السَّفَرة الكِرامُ البَرَرة، ويؤُمُّ القومَ أقرؤُهم له، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمعُ بين رجُلَيْن من قتلَى أُحُدٍ ثم يقول: «أيُّهم أكثرُ أخذًا للقرآن؟». فإذا أُشيرَ له إلى أحدِهما قدَّمَه في اللَّحْدِ؛ رواه البخاري.

    وخيرُ ما تحرَّك به اللِّسانُ ذِكرُ الله تعالى، و«أحبُّ الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر»؛ رواه مسلم.
    و«من قال حين يُصبِحُ وحين يُمسِي: سُبحان الله وبحمده مائةَ مرَّةٍ لم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بأفضلَ مما جاء به إلا أحدٌ قال مثلَما قال أو زادَ عليه»؛ رواه مسلم.
    وقولُ الداعِيةِ إلى الله على بصيرةٍ لا أحسنَ من قولِه، قال - جل وعلا -: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
    والدعاءُ هو العبادة، والمُسلمُ يتخيَّرُ من الدعاء أجمعَه، قال - عليه الصلاة والسلام -: «فإذا سألتُم اللهَ فاسألُوه الفردَوسَ؛ فإنه أوسطُ الجنةِ وأعلى الجنةِ، أُراهُ فوقَه عرشُ الرحمن، ومنه تُفجَّرُ أنهارُ الجنة»؛ رواه البخاري.

    «وفي الجُمعة ساعةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مُسلمٌ وهو قائمٌ يُصلِّي يسألُ اللهَ شيئًا إلا أعطاه إياه»؛ رواه البخاري.
    وفي الثُّلُث الأخير من الليل الدعاءُ لا يُردُّ.

    والمؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمنِ الضعيفِ، ومُعاملةُ الناس عبادةٌ يرتقِي المؤمنُ بحُسن خُلُقه أعلى المنازِل، قال - عليه الصلاة والسلام -: «أنا زعيمٌ ببيتٍ في أعلى الجنة لمن حسُنَ خُلُقُه»؛ رواه أبو داود.


    وردُّ السلام أفضلُه أكملُه، وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا
    و«من صُنِع إليه معروفٌ فقال لفاعِلِه: جزاك الله خيرًا فقد أبلغَ في الثناء»؛ رواه الترمذي.
    وفاضلَ الشرعُ بين صفاتٍ في الناس؛ فـ «خيرُ متاع الدنيا المرأةُ الصالِحةُ»؛ رواه مسلم. وخيرُ الزوجاتِ ذواتُ الصلاحِ منهنَّ؛ «فاظفَر بذاتِ الدين ترِبَت يداكَ»؛ متفق عليه.

    وأنفعُ الأولاد للوالِدَين: الولدُ الصالحُ الداعِي لهما بعد مماتهما: «.. أو ولدٍ صالحٍ يدعُو له»؛ رواه مسلم.
    و«من ابتُلِيَ من البنات بشيءٍ فأحسنَ إليهنَّ كُنَّ له سِترًا من النار»؛ متفق عليه.

    وأحبُّ الأسماء إلى الله: عبدُ الله وعبدُ الرحمن. وخيرُ الأُجراءِ القويُّ الأمينُ.

    وبيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجملَ الطيبِ وأشرفَ المياه؛ فـ «أطيَبُ الطِّيبِ المِسْكُ»؛ رواه البخاري. وسيِّدُ المياه ماءُ زمزَم، قال - عليه الصلاة والسلام -: «إنها مُبارَكةٌ، إنها طعامُ طُعمٍ»؛ رواه مسلم.

    وخصَّ الدينُ أزمِنةً فاضِلةً ليتسابَقُوا إلى الطاعات فيها؛ فخيرُ يومٍ طلَعَت فيه الشمسُ يوم الجُمعة. وأعظمُ الأيام عند الله يومُ النَّحر. وليلةُ القدر خيرٌ من ألف شهر. وأفضلُ كلِّ ليلةٍ الثُّلُث الأخيرُ منها. وخيرُ الشهور شهرُ رمضان. وبُورِكَ لهذه الأمة في بُكورِها.


    والأماكنُ يشرُفُ بعضُها على بعضٍ؛ فأحبُّ البِقاع إلى الله المساجِد، وأفضلُها: المسجدُ الحرام، ثم مسجدُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم المسجدُ الأقصى. ومجالسُ العلمِ رياضُ الجنة.

    وعلى هذا الأصلِ العظيمِ في الإسلام في إحكامِ الأعمال والإخلاصِ سارَ سلَفُ الأمة؛ صنَّفَ الإمامُ البخاريُّ - رحمه الله - صحيحَه في ستة عشر عامًا، لا يضعُ فيه حديثًا إلا صلَّى لله ركعتَيْن، وقال: "جعلتُ هذا الكتابَ حُجَّةً بيني وبين الله".

    وبعدُ، أيها المسلمون:


    فالإسلامُ إحسانُ عبادةٍ وحُسنُ مُعاملةٍ، والمُسلمُ مع إخلاص نيَّته فيها لله إن رأى خيرًا ولو يسيرًا عمِلَه، وإن كان فاضِلاً سابَقَ إليه، وإن كان شرًّا نأَى عنه، وذوو الإيمان يرجُون أعلى ما عند الكريم من الجزاء؛ ذكرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يومًا أسماءَ أبواب الجنة، فقال أبو بكرٍ - رضي الله عنه -: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما على من دُعِيَ من تلك الأبوابِ من ضرورة؟ فهل يُدعَى أحدٌ من تلك الأبوابِ كلِّها؟ قال: «نعم، وأرجُو أن تكون منهم»؛ متفق عليه.
    والنفوسُ إذا عظُمَت طلبَت المعالِي وأحسنَت ظنَّها بالله.


    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ
    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المُسلمين من كل ذنبٍ.


    الخطبة الثانية

    الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.

    أيها المسلمون:


    من إتقان العملِ: المُداوَمةُ عليه، قال - عليه الصلاة والسلام -: «أحبُّ الأعمالِ إلى الله: أدوَمُها وإن قلَّ»؛ متفق عليه.
    قال ابن حجر - رحمه الله -: "الصبرُ على المُحافَظة على الصلوات وأدائِها في أوقاتِها، والمُحافظة على برِّ الوالِدَيْن أمرٌ لازمٌ مُتكرِّرٌ دائمٌ لا يصبِرُ على مُراقبَة أمر الله فيه إلا الصِّدِّيقُون".

    والمُسلمُ يُنوِّعُ من العبادات لتتنوَّع لذَّاتُه في الآخرة من النعيم، وجاء الشرعُ ببيان الفاضِلِ منها؛ لئلا يفوتَه شيءٌ منها ليرتقِيَ بذلك إلى أعلى الجِنان.
    ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَم التنزيل: إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا

    اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلد آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
    اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكان، اللهم اجمع كلمتَهم على الحق والهُدى والتوحيد يا ذا الجلال والإكرام.


    اللهم انصُر المُستضعَفين من المؤمنين في كل مكانٍ، اللهم كُن لهم وليًّا ونصيرًا، ومُعينًا وظهيرًا، اللهم عجِّل لهم بالفرَج والنَّصر يا قوي يا عزيز.
    اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين للعملِ بكتابك، وتحكيمِ شرعك.
    اللهم إنا نسألُك الفردوسَ الأعلى من الجنة.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
    اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا...


    ************************************************** ******

    خطبة اليوم لفضيلة الشيخ : عبد المحسن بن محمد القاسم





    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد


    التقـوى والمقـاصد وطلـب المـخـرج




    الحمدُ لله القويِّ الغالب، وَارثِ الأرضِ ومَن عليها وهو خير الوارثين. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدهُ لا شريك له. أرحمُ الراحمين وأحكمُ الحاكمين وأسرعُ الحاسبين. إليه الأمرُ كلُّه وإليه يرجعُ الأمرُّ كلُّه وهو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. آمنَّا به وبما أنزل على عبدهِ المصطفى محمد. فنشهدُ أن سيدَنا ونبيَّنا وقرةَ أعيننا ونورَ قلوبنا محمداً عبدُه ورسولُه، سيدُ المرسلين وخاتم النبيين. كَثُرَ في الليالي بُكاؤُه، وكَثُرَ في مُخْتَلَفِ الأحوالِ دُعاؤُه. قالت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها " كان رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم يذكُرُ اللهَ على كُلِّ أحيانِه.". اللهم صلِّ وسلِّم على عبدِك المصطفى المُبَيِّن عنكَ الشريعة الكاملة الغراء، والمؤدِّي الأمانة إلى جميع الورى، على خيرِ الوجوه وأجملِها وأحسنِها قدراً. وصَلِّ اللهمَّ معه على آله الأطهار وأصحابه الأخيار، ومن على منهجِهِم سار على ممرِّ الأَعصار، وعلينا معهم وفيهم برحمتك يا كريمُ يا غفَّار.

    أما بعدُ عبادَ الله، فإني أوصيكُم ونفسي بتقوى الله. فاتقوا اللهَ عبادَ الله، وأحسِنوا يرحمكم الله. إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين. تقوى الله التي لا يقبلُ غيرها. فمن صَلّى قُلْ لَهُ ﴿ إِنـَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الـمُتَّقِيْن ﴾ ، ومن صام فقُلْ لَهُ ﴿ إِنـَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الـمُتَّقِيْن ﴾، ومن قرأ القرآن فقُلْ لَهُ ﴿ إِنـَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الـمُتَّقِيْن ﴾، ومن تكلَّم بالحديث أو الآيات أو كلام العلماء فقُلْ لَهُ ﴿ إِنـَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الـمُتَّقِيْن ﴾، ومن خرج مجاهداً لأعداء الله حاملاً سيفَه يقاتلُ الكفَرَةَ الذين يصُدُّون عن سبيل الله، فقُلْ لَهُ ﴿ إِنـَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الـمُتَّقِيْن ﴾. في ذروة سِنامِ الإسلام وفي عَمودِه وجميع شؤونه ﴿ إِنـَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الـمُتَّقِيْن ﴾، ورُبَّ قتيلٍ بين الصَّفَّينِ اللهُ أعلم بِنيَّتِه، ولقد قالت المرأة في غزوةٍ مع نبيكُم الصادق حبيب الخالق، وقد قُتِلَ ابنُها الشاب على أيدي الكفرةِ المشركين الصادِّينَ المُحارِبين لرسول الله " هنيئاً لهُ الجنة " أو " هنيئاً له الشهادة "، فالتفتَ إليها وقال " وما يُدريكِ، لعلَّهُ كان يتكلّمُ فيما لا يعنيه ويبخلُ بما لا يُغنيه ." ألا إنّما يتقبل الله من المتقين.

    أيها المؤمنون بالله: حقائقُ التقوى المرتبطة بالقلب، التي بها يصحُّ العملُ من كل عامل، ويصدق الله قول القائل إن كان بها قائل. هي الركيزة التي يجب على المؤمن أن يبحث عنها. فإن طرأ عليه أو على بالِه شيئٌ من المخرَج من الشدائد فهو فيها بِنَصِّ كلام الله بَارِيْنا. وإن طرأ على بالِه تيسيرُ شيء من الأرزاق لكفاية حاجته وأهله أو مجتمعه فهو فيها بِنَصِّ كلام خالقنا جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ ﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾. قال اللهُ لسيد المتقين، وقد قال بعد أن مَثَّل المشركون بعمِّه حمزة وسبعين من أصحابه، قتلوهم فَمَثَّلوا بهم، قال: لئن ظفَرتُ بهم لأمثلنَّ بسبعين مكانك. فأنزل الله ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ . أتُحِبُّ أن يكون اللهُ في مَعِيَّتِك، وتُقَدِّر هذا المعنى، وهذا المطلب، وهذه الرِّفعة، وهذا الشرف وهذه العزة وهذه الكرامة؟ ما بالُ عقولنا سِيقت واستُعمِلت واستُخدِمت وخُدِعت لتطلب العزةَ أو الكرامةَ أو الشرف فيما لم يجعلها اللهُ فيه؟ ما بالُها صَدِئت ثم انصَرَفت عن سماعِ خطابات ربِّ العرش مُكَوِّن الأرض والسماوات وجامع الأولين والآخرين ليومِ الميقات؟ ما بالُها صارت تستعمل دينَه لخدمةِ أغراضِها ولمقاصدِها الدنيوية الزائلة الفانية، واللهُ أجلُّ وأكبر من أن يُخدَع، أو يُضْحَك عليه ﴿ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ هذا مَكْمَنُ الداء الذي أصاب الأمة في شرق الأرض وغربها، انصرفت قلوبُها عن إصغاءٍ تامٍّ كامل لقولِ الحق وهو أصدقُ قائل، وبلاغِ رسوله أفضلِ كلِ فاضل، صلواتُ ربي وسلامُه عليه، وتَوَلَّعت بإرادةِ تحقيقِ أغراضِها ومطامِعِها من غيرِ أبوابِ التقوى، ومن غير باب اللجوءِ إلى العليِّ الأعلى جل جلالُه وتعالى في عُلاه، فنزلت الآياتُ، فقال من أُنزِلت عليه " بل أَصبِر ولا أُمَثِّلُ بأحدٍ منهم " ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ ﴾ فما زالت وصيَّتُهُ أن لا يُمَثَّلَ بمقتولٍ من الحربيين الكافرين المقاتلين المعانِدِين للهِ ورسولِه، فضلاً عمن سواهم، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم، ومن سارَ في دربِه.

    أيها المؤمن: لِنَطْلُبَ المخرج من كلِّ شِدَّة مِن عِند الذي بِيَدِه الأمر، وبما شَرَعَ لِحُصول المخارج، وبما شَرَعَ لنَيْلِ المآرب ودَفْعِ المصائب. شَرَعَ لنا في تحقيق ذلك تقوىً له من قلبك تفيضُ على جوانبِك، لا تُقْفِلُ على بيتٍ فيه المناظر المحرمة، وفيه قُطَّاعٌ للأرحام، وفيه عَقَقةٌ للآباء والأمهات، وفيه برامج للفجرة والكفرة تشتغل، ثم تُريدُ مخرجاً في شدِّتك، ثم تريدُ مخرجاً من بلائك. وَتَرُدُّ وتَعُدُّ أنك صاحبُ التفكير أو التحويل للأحوال، كَذَبْتَ.. ما مُحَوِّلُ الأحوالِ إلا الكبيرُ المتعال. اتَّقِه وانظُر كيف يُحَوِّل أحوالك. اصدق معه، قَوِّمْ ما في بيتِك من خرابٍ ودمار.

    إن النظر إلى الحرام خرابٌ وسط البيوت. إن سماع الغيبةِ والنميمةِ دمارٌ وسط المنازل والديار. تُحِبُّ سماع هذا الكلام أم نفسُك تشمئزُّ منه؟ خُذْه فهو كلامُ ربك ورسولِك رضيتَ أم لم ترضى. وإن أردتَ أن يَحْكُمَكَ غيرُ اللهِ في القيامةِ فلن يحكُمَكَ إلا مُنْزِل هذا الكلام، وإلا واضِعُ هذه الأحكام، وإلا مُبَيِّن هذا البيان جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه، فهو الذي يجمعُ الأولين والآخرين، ثم ينادي مناديه جلَّ جلالُه " أنا اللهُ ملكُ الملوك، الحَكَمُ العدل، الذي لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجنة أن يدخل الجنة وعِنْدَه مظلمةٌ لأحدٍ من أهل النار، حتى اللطمةَ فما فوقها، حتى آخُذَها منه. ولا ينبغي لأحدٍ من أهلِ النار أن يدخُل النار وعندهُ مَظْلَمةٌ لأحدٍ من أهل الجنة، حتى اللطمة فما فوقها، حتى آخُذَها منه. قال الصادق بالنبأ عن الخالق: حتى يُقادَ للشاةِ الجمَّاء من الشاة القرْناء.

    أنُؤْمِنُ أم لا ؟ أنُصَدِّقُ أم لا؟ مآلُنا إلى هذا الحَكَم الذي لا يدعُ صغيرةً ولا كبيرة. ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ ﴾. خُذ هذه الحقائق، يا حاكم، يا محكوم، يا راعي، يا رعيَّة، يا طالب، يا رادّاً على الطَلَب، يا آخِذاً، يا مُعطياً، خُذْ أحكامَ ربك. خُذ مِنهاجَ خالقك. اُخْرُج عن هواك. اخرُج عن مُوجِبِ الفضيحة يوم القيامة ﴿ يومَ تبيضُّ وُجوهٌ وتَسْودُّ وُجُوه ﴾ فلا تظُنَّنَّ أن المعاملة معاملة دنيا ولا معاملة سياسات ولا معاملة أحزاب ولا معاملة اتجاهات. معاملة لِخالق منه المبتدأ وإليه المرجع، وإليه المصير. وهو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ﴾ ارحمنا اللهُمَّ برحمتك ﴿ وَلِذَ‌ٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ ﴾ ولذلك خَلَقَهُم جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه.

    إن معك توجيهات عُلْوية، صَمَدانية، رحمانية، لا تضيِّعها بعقلك ولا بفكرك ولا بحزبِك ولا بوجاهتك ولا برئاستك ولا بمرؤوسيَّتك ولا بوزارتك، ولا لشيء مِن مطامعك قَطُّ قطّ. توجيهاتُ الله قَبْلَ كُلّ شيء، اجعلها نصبَ عينيك وامضِ على ضوئها.

    اللهم أيقِظ قلوبَنا، اللهم اكشِف كُرُوبَنا، اللهم ادفعِ البلاء عنا. أصلِح يَمَنَنَا والمسلمين وبلاد المسلمين. وادْفَع البلاء والآفات والعاهات عن أهل لا إله إلا الله أجمعين، وأسباب نُزول ما حَلَّ بهم من انصراف قلوبهم عن ذِكْرِك وشكرك وحُسنِ عبادتك والعمل بأمرك. ارفع هذا السبب، واكشِف عنا التَّعَب، وارفع هذا النَّصَب، وحَوِّلِ الأحوال إلى أحْسَنِها يا ربُّ يا رب يا رب.

    والله يقول وقولُه الحق المبين ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ وقال تبارك وتعالى ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. ﴾

    ﴿ ولنذيقنّهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون﴾

    ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ﴾

    ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا. ﴾

    ﴿ ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة. أمن يكون عليهم وكيلا ﴾

    ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ﴾



    بَارَكَ اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. ثبَّتَنَا على الصراط المستقيم. أَجَارَنا من خِزْيِه وعذابِه الأليم.

    أقول قولي هذا وأستغفر اللهَ العظيم لي ولكم ولوالدينا ولجميع المسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



    الخطبة الثانية

    الحمد لله الأول الآخر، الباطن الظاهر، وأشهدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، يعلمُ ما في الضمائر، وينظُرُ ما في السرائر، يَعْلمُ السرَّ وأخفى، وما من غائبةٍ في الأرض ولا في السماء إلا في كتابٍ مبين، وما يَعْزُبُ عن ربك من مثقالِ ذرةٍ في الأرض ولا في السماء.

    وأشهدُ أنَّ سيدَنا ونبيَّنا وقُرَّةَ أعيننا ونورَ قلوبِنا محمداً عبدُهُ ورسولُه، وحبيبُه وصفيُّه المحبوب. اللهم صلِّ وسلِّم على الرحمة المُهداة والنعمة المُسداة، الذي جعلتَ الذلة والهوان على مَن خالفَه، والكرامة والعزة لمن أطاعَه واتَّبعه واهتدى بهديه. ﴿ قل إن كنتم تحبُّون اللهَ فاتَّبعوني يحببكمُ الله ويغفر لكم ذنوبَكم. ﴾ ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين، ولكن المنافقين لا يعلمون ﴾

    أيها المؤمنون: إن علينا واجباتٍ كثيرات متعلِّقة بالفرد والأُسَرِ والهيئات والمجتمعات والرعيَّة والرُّعاة، صغاراً وكباراً، ذُكوراً وإناثاً، وإنهم ليتصرفون في الحياة بأنواعٍ من التصرفات، وإن الميزان القائم الذي لا يترُكُ لَفْتَةَ ناظِر ولا فَلتة خاطِر، لصغيرٍ ولا كبير من المكلفين منهم، ميزانٌ، ﴿ فمن يعمل مثقالَ ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ إن هذا الميزان يحمل لنا الدِّقة فيما نفعل وفيما به نتعامل إن أردنا نُصرةَ مظلوم، أو أردنا نصيحةَ صغيرٍ أو كبير، أو أردنا تقويم معوجّ وتعديل مائل، مما يدخل بحكم سنةِ الله تحت اختيارنا وقدرتنا، ومعنا له إمكانية، وعلينا فيه إحسان، وعلينا فيه طُهرُ جَنانٍ وصدقٌ مع الرحمن. ومِن سوى ذلك.. لا تَغُرُّ مظاهر.

    لقد بنى مَن بنى في عهدِ نبيِّكم مسجداً فذمَّهُمُ اللهُ ومسجدَهم مِن فوق سبع سماوات. الظاهرُ مسجد، والظاهر صلاة وركوع، ومع ذلك تصنَّعوا لرسول الله حتى قالوا تعال فصلِّ لنا في مسجدنا هذا. وكان مُتَوَجِّهاً إلى تبوك، قال حتى أعودَ من الغزوِ. فلما عاد أنزل الله ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ. لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ﴾ أَسِّسْ أُمُورَك على التقوى. خُذ هذه الفائدة من الجمعة. وانظُر ما عَمِلَتْ بنا النَّشَراتُ والأخبارُ والأحداثُ فغَيَّبَتْنا عن حقائق مَقَاصِدنا. نُصلِّي لا ندرِك حقيقة الصلاة، ولا لم شُرِعَت، وربما صلينا وفكرُنا خارجَ الصلاة.

    جئنا الآن إلى الجمعة. مَن الذي قصدُهُ من الجمعة أن يتطهَّر قلبُه؟ أن يُغفَر ذنبه، أن يَرْضى ربه، أن يستفيدَ موعظةً يستقيمُ بها، يرجِع عن هواه. من الذي قصْدُهُ هذا من حُضُور الجمعة؟ ربما عِند انحلال أواصرِ الصدق مع الله تَذهبُ وتغيبُ المقاصدُ عن الأذهان. بل ربما حتى مثل هذه الشعيرة العظيمة دخل وهو يريد أن يتفرج ويتسمّع ما يقول الخطيب أو كيف يصلي هذا الإمام، لأنه مستعدُّ أن يتنقد، وإن وافق شيءٌ هواه، وإلا ردَّه.لم يعرف مقصودَ الجمعة ولا لم شُرِعت ولا جاء لها على وجهِها. فحاضِرٌ بجسده غيرُ حاضرٍ بقلبه مع ربه.

    أَشَرَعَ اللهُ الجمعة ليتهاتَر الناس أو ليخدِموا أهواءهم، أو ليُشبِعوا رغباتهم ونزواتهم؟ ما شرع اللهُ الجمعة إلا لنتهذَّب، لنتأدب، لنتطهر، لنتزكى، لنخضع، لنخشع، لنُعلن السجود له بين الخلق. فلا يقودُنا هوىً ولا شيطان لقولٍ ولا لِفعل.

    لقد قال قائلٌ لسيدنا عُمَر: أريدُ أن أذكِّرَ الناس بعد صلاة الصبح. فالتفت إليه سيدنا عمر وقال لذلك الشاب " لا ." كان عُمَر رُكْن الدعوة، وجندي الدعوة. لكن قال لهذا الشاب " لا، إني أخافُ أن تنتفخَ حتى تَبْلُغَ الثريا ." قيمةُ الدعوى على مقاصد وإرادات. أنت تطلب أن تقوم بين يدي الصحابة الكبار في غير حاجة إلى ما تلقي عليهم. تدَّعي أنك تريد أن تخدم الدين وليس هذا موطنك في الخدمة. " لا، إني أخافُ أن تنتفخَ حتى تبلُغَ الثريا.

    رحم الله الإمام محمد بن إدريس الشافعي، وُجِّه إليه السؤال فوقف وسكت، فقال مَن عنده: مالك لا تُجيب. قال اِصْبِر حتى أرى الخيرَ لي عند الله والثواب في جوابي فأجيب، أو في سكوتي فأسكُت. أنا لستُ عبدَ هوى. أنا لستُ طالب منزلة بين الناس. يقولون قال أو ما قال ، و فَهَّم أو لم يُفَهِّم. يقول الشافعي أنا طالب مكانة عند الله. فإن كان الخير في الجواب أجبت، وإن كان الخير والثواب في السكوت سكتُّ. إن من عظيمِ الشجاعةِ وَقَفاتٌ وتأخُّراتٌ في مواطنَ كثيرة. كما أن هذه موازين جاء بها النبيون يجب أن نسير عليها.

    عباد الله: عيشوا في الفُسْحةِ مِن أمر دينكم، وأوَّل ما يضيقُ على الإنسان شأنُ دينِه، باعتدائه على حقوق الآخرين. أحياء أو أموات، صغاراً أو كباراً، بل على الحيوانات والعياذ بالله تعالى. وقد أُدخِلت امرأة النار في هرة حبستها.

    فاعْلَمْ، متى تُضَيِّق على نفسِك، عندما تتعدى حَدّك بأخذ حقوق الغير أو أذاهم. أيها المؤمن. وأعظَمُ ما تُضيِّق به الخناق على نفسك أن تتلطخَ يدُكَ بدمٍ حرام. فلقد روى الإمام أحمد والحاكم في مستدركه والبخاري في صحيحه " لا يزال المرءُ " وفي لفظ " لا يزال العبد في فُسحةٍ من دينه ما لم يُصِب دماً حراماً ." اجعلها بين عينيك. إرشاداتُ داعِيْكَ إلى بارِيْك صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم، ولا تُضيِّق الخناق على نفسك، واطلب المخرج من كل شدة من أبوابها التي فتحها الله. ﴿ وتعاونوا على البرِّ والتقوى ﴾ و" ارحموا مَن في الأرض يرحمكم من في السماء " واصدقوا مع الله فإن يومَ المحكمةِ الكبرى التي يخضع لها الأولون والآخرون هو يومٌ قال الله فيه على لسان عيسى ﴿ قال الله هذا يوم ينفعُ الصادقين صدقُهُم ﴾. وتذكروا نبيَّكم الذي صَبَرَ وكابَدَ وجاهد واجتهد وبكى كثيرا، وإذا ذَكَرَ القيامةَ علا صوتُه واحمرَّ وجهُهُ وانتفخت أوداجه كأنه نذيرُ جيشٍ يقولُ صبَّحَكُم أو مَسَّاكم، وهو القائل " أما إني أخشاكُم لله وأتقاكُم له " جلَّ جلالُه وتعالى في عُلاه .



    اللهم صَلِّ على النُّورِ المبين واهدنا بهديه، وسِرْ بنا في سبيله وتداركْ أُمَّته بعناية من عندك يا حي يا قيوم. نزلت بهم النوازل وحلَّت بهم المصائب. فأرنا كما أريتنا ذلك، عجائبَ لطفكَ في تحويل الأحوال إلى أحسنها. اللهم ارفع الظلم والآفات والاعتداءات والتطاوُل على أمرِك، والخُروجَ عن شرعك، من ديارنا ومنازلنا ومن أسواقنا ومن مجتمعاتنا ومن بلداننا ومن صغارنا وكبارنا. اللهم اهدنا فيمن هديت وسِرْ بنا سبيل من اصطفيت. لا تصرفنا من الجمعة إلا وقد استفدنا قلوباً لك تخضعُ وتخشعُ، وفي عفوِك وما عندك تطمع، وتفرُّ عن الطمع فيمن سواك. اقذف في قلوبنا رجاءك. واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لانرجو أحداً غيرك. وألهِم المسلمين رُشدهم، وخذ بأيدي رُعاتهم ورعيتهم إلى ما تُسعِدهم به في الدنيا والآخرة وحوِّل الأحوال إلى أحسنها يا محوِّلَ الأحوال. اكشِف الشدائد. ادفع المصائب. شَرعْتَ لنا استغاثتك ودعاءك والتضرع إليك. قلت ﴿ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ﴾ كما استجبت لأوائلنا فاستجب لنا يا ربنا، وعاملنا بفضلك واكشف الشدائد عنا وحوِّل أحوالنا إلى أحسن الأحوال. واجعلنا من أهل الصِّدق معك في كل حال يا كبير يا مُتَعال. واغفر لوالدينا ومشايخنا والمتقدمين في مساجدنا هذه وديارنا، والمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إلى يوم الميقات، مغفرتَك الواسعة يا غافر الخطيئات، لا تَفْضَحْنا بذنب ولا بسيئة، ولا تُسوِّد وجوهنا بِعيْبٍ في القيامة تُخزينا به. لا تخزنا يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. أصلح الشأن كله واختم لنا بالحسنى وأنت راضٍ عنا برحمتك يا أرحم الراحمين. يا أرحم الراحمين.

    نسألك لنا وللأمة من خير ما سألك منه عبدُك ونبيك سيدُنا محمد، ونعوذ بك مما استعاذك منه عبدك ونبيك سيدنا محمد، وأنت المستعان وعليك البلاغ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    عبادَ الله ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. ﴾ فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم. ولَذِكْرُ اللهِ أكبر.


    ************************************************** *******


    خطبة اليوم لفضيلة الشيخ : الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ

    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد
    رد: مختارات من خطب الجمعة

    المشاركة الأصلية بواسطة Ahmad Najar مشاهدة المشاركة

    دائماً مُتابع لها أختنا العزيزة سلاف فواخرجي,,

    الله يعطيكي العافية وكل الخير يارب.


    اللهم آمين يا رب العالمين

    ولك بالمثل وزيادة أخي أحمد

    اترك تعليق:


  • Ahmad A Najar
    رد

    دائماً مُتابع لها أختنا العزيزة سلاف فواخرجي,,

    الله يعطيكي العافية وكل الخير يارب.

    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد
    آيات الله في الخلق والمخلوقات





    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسلَه بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة.

    من يطِعِ اللهَ ورسولَه فقد رشد، ومن يعصِ اللهَ ورسولَه فإنه لا يضرُّ إلا نفسه، ولا يضرُّ اللهَ شيئا.

    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.

    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

    إن الله سبحانه وتعالى خلق المخلوقاتِ والإنسَ والجانَّ ليعبدوه، وجعل لهم الآياتِ البيناتِ ليوحِّدوه، فـ{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.

    أيُّها الناس! ما الغايةُ التي من أجلِها وُجِدْنا؟ وما الهدفُ الذي من أجلِه خُلِقْنا؟ هل وجدنا لنأكلَ ونشرب؟ ونستمتعَ ونلهوَ ونلعب؟ قال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ* إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}.

    سبحانه! دلَّنا على نفسه بنفسِه، فأرسل إلينا الرسل، وأنزل إلينا الكتب، {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}، يأمرنا بتوحيدِه وعبادتِه، ويحثُّنا على التدبُّر والتفكر في آياته ومخلوقاته، {لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا}.

    فهو سبحانه [{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ} كما يخرج النباتَ من الأرضِ الميتة، والسنبلةَ من الحبة، والشجرةَ من النواة، والفرخَ من البيضة، والمؤمنَ الحيَّ بإيمانه من الكافر الميت بكفره، ونحو ذلك.

    {وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} بعكس المذكور؛ فيخرج الحبةَ من السنبلة، والبيضةَ من الدجاجة ونحو ذلك، {وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}؛ فينزِّلُ عليها المطرَ وهي مَيتةٌ هامدة، ... قال سبحانه: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}.، {وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}. من قبوركم. فهذا دليلٌ قاطعٌ، وبرهانٌ ساطعٌ؛ أنَّ الذي أحيا الأرضَ بعد موتِها فإنَّه يحيي الأموات...

    ثم شرع سبحانه في تَعدادِ آياتِه الدالةِ على انفرادِه بالإلهية وكمالِ عظمتِه، ونفوذِ مشيئتِه، وقوةِ اقتدارهِ، وجميلِ صُنعهِ، وسَعةِ رحمتِه وإحسانهِ، فقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ}، وذلك بخلْقِ ... آدمَ {ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ}. ، أي: الذي خلقكم من أصلٍ واحدٍ، ومادَّةٍ واحدةٍ، وبثَّكم في أقطارِ الأرض وأرجائها، ففي ذلك آياتٌ على أنَّ الذي أنشأكم من هذا الأصلِ وبثَّكم في أقطارِ الأرض، هو الربُّ المعبود، الملكُ المحمود، والرحيمُ الودود، الذي سيعيدُكم بالبعث بعد الموت.

    {وَمِنْ آيَاتِهِ} الدالةِ على رحمتِه وعنايتِه بعبادِه، وحكمتِه العظيمةِ، وعلمِه المحيط، {أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} تناسبكُم وتناسبونهنّ، وتشاكِلُكُم وتشاكِلونَهُنَّ، {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} بما رتَّبَ على الزواجِ من الأسبابِ الجالبةِ للمودةِ والرحمة.

    فحصلَ بالزوجةِ الاستمتاعُ واللذةُ، والمنفَعةُ بوجودِ الأولادِ وتربيتِهم، والسكونِ إليها، فلا تجدُ بين أحدٍ في الغالب مثلَ ما بين الزوجين من المودَّةِ والرحمة، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. يُعمِلون أفكارهم، ويتدبرون آياتِ اللهِ، وينتقلون من شيء إلى شيء، من آية إلى آية.

    {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ}، والعَالِمُون هم أهل العلم؛ الذين يفهمون العِبَرَ ويتدبَّرون الآيات.

    والآياتُ في ذلك كثيرة: فمن آياتِ خلْقِ السماواتِ والأرضِ وما فيهما؛ أنَّ ذلك دالٌّ على عظمةِ سلطانِ الله، وكمالِ اقتدارِه، الذي أوجدَ هذه المخلوقاتِ العظيمةَ، وكمالِ حكمتِه، لما فيها من الإتقانِ وسَعةِ علمه؛ لأنَّ الخالقَ لا بدَّ أن يعلمَ ما خَلقَه {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}بلى يعلم! وفي خلق السموات والأرض من عمومِ رحمتهِ وفضلِه؛ لما في ذلك من المنافعِ الجليلة، وأنه المريدُ الذي يختارُ ما يشاء؛ لما فيها من التخصيصات والمزايا، وأنه وحده الذي يستحقُّ أن يُعبدَ ويُوحَّدَ؛ لأنَّه المنفردُ بالخلقِ، فيجب أن يفردَ بالعبادة، فكلُّ هذه أدلَّةٌ عقليَّةٌ نبَّه اللهُ العقولَ إليها، وأمرَها بالتفكُّرِ واستخراج العبرة منها.

    {و} كذلك في {اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ} على كثرتكم، وتباينِكُم مع أن الأصلَ واحد، ومخارجَ الحروفِ واحدةً، ومع ذلك لا تجدُ صوتين متفقين من كلِّ وجهٍ، ولا لونين متشابهين من كلِّ وجهٍ؛ إلاَّ وتجدُ من الفرقِ بينَ ذلك ما به يحصلُ التمييزُ، وهذا دالٌّ على كمالِ قدرتِه، ونفوذِ مشيئتِه.

    ومن عنايتِه بعبادهِ، ورحمتِه بهم؛ أنْ قدَّر ذلكَ الاختلافَ لئلاَّ يقعَ التشابهُ فيحصلُ الاضطرابُ، ويفوتُ كثيرٌ من المقاصدِ والمطالبِ.

    {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}. أي: سماعَ تدبَّرٍ وتعَقُّلٍ للمعاني والآياتِ في ذلك.

    إنَّ ذلك دليلٌ على رحمة الله تعالى كما قال: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. ، وعلى تمامِ حكمتِه؛ إذْ حكمتُه اقتضت سكونَ الخلقِ في وقتٍ ليستريحوا به ويستجمُّوا، وانتشارَهم في وقت؛ لمصالحِهم الدينيَّةِ والدنيويَّةِ، ولا يتمُّ ذلك إلاَّ بتعاقُبِ الليلِ والنهارِ عليهم، والمنفردُ بذلك هو المستحقُّ للعبادة.

    {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا..}، أي: ومن آياته أن ينزِّلَ عليكم المطرَ الذي تحيا به البلادُ والعبادُ، ويريكُم قَبْلَ نزولِه مقدماتِه من الرَّعدِ والبرقِ الذي يُخَاف ويُطْمَع فيه. فالرعد والبرق من آيات الله سبحانه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} دالَّةٍ على عمومِ إحسانِه، وسَعةِ علمهِ وكمالِ إتقانه، وعظيمِ حكمته، وأنه يحيي الموتى كما أحيا الأرض بعد موتها، {لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. أي: لهم عقول تعقلُ بها ما تسمعُه وتراه وتحفظُه، وتستدلُّ به على ما جُعِلَ دليلاً عليه.

    {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ}.

    ومن آياتِه العظيمةِ؛ أنْ قامتِ السماواتُ والأرضُ واستقرتَا وثَبَتَتَا بأمره، فلم تَتزلْزلا، ولم تسقطْ السماءُ على الأرض، فقدرتُه العظيمةُ التي بها أمسكَ السماواتِ والأرضَ أنْ تزولا؛ يقدِرُ بها أنَّه إذا دعا الخلقَ دعوةً من الأرضِ إذا هم يخرجون، {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}. ، {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} الكلُّ خلقُه، وعَبيدُهُ ومماليكُه، المتصرفُ فيهم من غيرِ منازعٍ، ولا معاونٍ ولا معارضٍ، فـ{كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ}. ، ..كلُّهم قانتون لجلالِه، خاضعون لكمالِه.

    {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ} أي: الإعادة للخلق بعد موتهم {أَهْوَنُ عَلَيْهِ} من ابتداء خلقهم، وهذا بالنسبة إلى الأذهانِ والعقول، فإذا كان قادرًا على الابتداء الذي تُقِرُّون به؛ كانت قدرتُه على الإعادة التي أهونُ أولى وأولى.

    ولما ذكرَ من الآياتِ العظيمةِ ما به يعتبرُ المعتبرون، ويتذكَّرُ المؤمنون، ويتبصَّرُ المهتدون؛ ذكرَ الأمرَ العظيمَ، والمطلبَ الكبير، فقال: {وَلَهُ الْمَثَلُ الأعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ} وهو كلُّ صفةِ كمالٍ، والكمالُ من تلك الصفةِ، والمحبَّةُ والإنابةُ التامةُ الكاملةُ في قلوبِ عبادِه المخلصين، والذكرُ الجليلُ والعبادةُ منهم. فالمثَلُ الأعلى هو وصْفُه الأعلى وما ترتَّبَ عليه.

    ولهذا كان أهلُ العلمِ يستعملون في حقِّ الباري قياسَ الأَوْلَى، فيقولون: (كلُّ صفةِ كمالٍ في المخلوقاتِ فخالقُها أحقُّ بالاتصافِ بها، على وجهٍ لا يشاركه فيها أحدٌ، وكلُّ نقصٍ في المخلوقِ يُنَزَّهُ عنه؛ فتنزيهُ الخالقِ عنهُ من بابِ أولى وأحرى). {وَهُوَ الْعَزِيزُ الحكيم}، أي: له العِزَّةُ الكاملةُ، والحكمةُ الواسعة، فعزَّتُه أوجدَ بها المخلوقات، وأظهرَ المأمورات، وحكمتُه أتقنَ بها ما صَنَعَه، وأحسنَ فيها ما شَرعَه]. تفسير السعدي

    و[يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا} أي: يُخاف منه الصواعقُ والهدمُ وأنواعُ الضرر، على بعض الثمار ونحوها ويُطمع في خيرِه ونفعِه، {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ}. بالمطرِ الغزيرِ الذي به نفعُ العبادِ والبلاد.

    {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} وهو الصوتُ الذي يُسمعُ من السحابِ المزعجِ للعباد، فهو خاضعٌ لربِّه، مُسَبِّحٌ بحمده، {و} تسبِّح {الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} أي: خشعا لربهم خائفين من سطوته، {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ} وهي هذه النارُ التي تخرجُ من السَّحاب، {فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ} من عبادِه بحسْب ما شاءَه وأرادَه {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ}. أي: شديد الحولِ والقوةِ فلا يريدُ شيئًا إلا فعَلَه، ولا يتعاصَى عليه شيءُ ولا يفوته هارب.

    فللمسلم أن يذكرَ ربَّه فيُسبِّحَه عند سماعِه صوتَ الرَّعد، لما ثبت عن عبد الله بن الزبير ما: (أنَّهُ كَانَ إِذا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الحَدِيثَ، وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي {يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ}). ، وعن عبد الله بن عباس ما أنَّه كان إذا سمع صوت الرعد قال: (سبحان الذي سبَّحْتَ له).

    وفي التسبيح في هذا المقام تعظيم للربِّ سبحانه الذي الرَّعدُ أثرٌ من آثار كمال قوَّته وقدرته، وفيه تجاوب مع الرَّعد الذي يسبح بحمد الله، ولكن لا نفقه تسبيحه..].

    فإذا كان هو وحدَه الذي يسوقُ للعبادِ الأمطارَ والسُّحُبَ التي فيها مادَّةُ أرزاقِهم، وهو الذي يدبِّر الأمورَ، وتخضعُ له المخلوقاتُ العظامُ التي يخافُ منها، وتُزْعِجُ العبادَ وهو شديدُ القوَّةِ -فهو الذي يستحقُّ أنْ يُعبدَ وحدَه لا شريكَ له. ولهذا قال: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ..} ... وهي: عبادتُه وحدَه لا شريكَ له، وإخلاصُ دعاءِ العبادةِ ودعاءِ المسألةِ له تعالى، أي: هو الذي ينبغي أن يُصرَفَ له الدُّعاءُ والخوفُ والرجاءُ، والحبُّ والرغبةُ والرهبةُ والإنابةُ؛ لأنَّ أُلوهيَّتَه هي الحقُّ، وألوهيةُ غيرِه باطلةٌ، {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ} من الأوثانِ والأندادِ التي جعلوها شركاء لله؛ {لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ} لا يستجيبون لمن يدعوها ويعبدُها بشيء قليلٍ ولا كثير، لا من أمورِ الدنيا ولا من أمور الآخرة؛ {إِلا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} الذي لا تنالُه كَفَّاهُ لبُعْدِه، {لِيَبْلُغَ} ببسْطِ كفَّيه إلى الماء {فَاهُ} فإنه عطشانُ، ومن شدَّةِ عطشِه يتناولُ بيده، ويبسطُها إلى الماء الممتنعِ وصولُها إليه، {وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ} فلا يصلُ إليه.

    كذلك الكفار الذين يدعون معه آلهةً لا يستجيبون لهم بشيء، ولا ينفعونهم في أشدِّ الأوقات إليهم حاجة؛ لأنّهم فقراءُ، كما أنَّ مُن دعوهم فقراء، لا يملكون مثقالَ ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماء، ... كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ}. ، {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ}؛ لبطلان ما يدعون من دون الله، فبطلت عباداتُهم ودعاؤُهم؛ لأنَّ الوسيلةَ تَبطلُ ببطلان غايتِها، ولمَّا كانَ اللهُ تعالى هو الملكُ الحقُّ المبين، كانت عبادتُه حقًّا متَّصلةَ النفعِ لصاحبِها في الدنيا والآخرة.

    وتشبيهُ دعاءِ الكافرين لغيرِ اللهِ بالذي يبسطُ كفَّيه إلى الماءِ ليبلغَ فاهُ من أحسن الأمثلة... والتعليقُ على المحال من أبلغ ما يكون في نفي الشيء كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ}.

    وهذه الآياتُ وتلك المخلوقاتُ من جُندِ اللهِ سبحانه، يسلطُها على مَن يشاءُ مِن عبادِه فينتقمُ منه، فهو وحدَه سبحانَه إن شاءَ جعلها رحمةً ونعمةً، وإن شاءَ جعلَها عذابًا ونِقمةً، {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}.

    فالليلُ للسكونِ والراحةِ، والنهارُ للمعاش والحياة، {إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ}.

    فلا الليل يستمرُّ فيتعطَّلُ السعيُ والكَسب، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ}، ولا النهارُ يستمرُّ في سريانِه فتعيشُ المخلوقاتُ في رَهَقٍ وإزعاج، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.

    ومن آيات الله ومخلوقاته الشمسُ والقمر، فـ{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

    والشمسُ ما أحلاها وأجمَلَها في الشتاء، وما أشدَّ حرِّها في الصيف، فإذا ازدادت حرارتُها أحرقت، والشتاء إذا زادت البرودةُ فيه أهلَكَت، عن أبي مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَقُومُوا، فَصَلُّوا».

    والرياحُ قد تكونُ لواقحَ للسُّحُبِ والأزهار، فتعمُّ الخيرات والبركات، وقد يرسلها الله على بعض خلقه المجرمين عواصفَ وأعاصيرَ، {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ}، {أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا}.

    ويجعلها سبحانه من جندِه نصرة لأوليائه، كما قال جل جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا}.

    [ومن السنَّة أن يقول المسلم عند اشتداد هبوب الرِّيح: "اللهمَّ إنِّي أسألك خيرها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسلت به".

    ولا يجوزُ للمسلمِ أنْ يَسُبَّ الريحَ؛ فإنَّها مسخَّرةٌ بأمرِ اللهِ مدبَّرَةٌ مأمورةٌ، ... عن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلاَ تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيذوا بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا"." الرِّيحُ من رَوحِ الله" أي من الأرواح التي خلقها الله ..

    وكان من هديه أن يقول إذا اشتدَّت الرِّيح: "اللهمَّ لاقحاً لا عقيماً"، ومعنى لاقحاً؛ أي: ملقِّحةً للسحاب، ومنه قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ}، أي: وسخَّرنا الرِّياح رياح الرحمة تلقح السحاب كما يلقح الذَّكر الأنثى فينشأ عن ذلك الماء بإذن الله، فيسقيه الله العباد والمواشي والزروع، ويبقى في الأرض مدَّخراً لحاجتهم وضروراتهم، فله الحمد والنعمة لا شريك له...]

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمسلمين، وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

    ***الخطبة الآخرة***

    الحمد لله حمْدَ الشاكرين الصابرين، ولا عُدوانَ إلاَّ على الظالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ النبيين والمرسلين؛ محمَّدِ بنِ عبدِ الله، وآله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين وبعد؛

    ومن آيات الله التي خلقها عبرة لعباده، الرعد الذي يرافق نزول الغيث والبركات، وهو مَلَكٌ من الملائكة، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلَتْ يَهُودُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: (يَا أَبَا القَاسِمِ! أَخْبِرْنَا عَنِ الرَّعْدِ مَا هُوَ؟) قَالَ: «مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ، مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ؛ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ» فَقَالُوا: (فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟!) قَالَ: «زَجْرَهُ بِالسَّحَابِ إِذَا زَجَرَهُ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ أُمِرَ». قَالُوا: (صَدَقت

    وثبت أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ قَالَ: (سُبْحَانَ الَّذِي سَبَّحْتَ لَهُ)، قَالَ: (إِنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ يَنْعِقُ بِالْغَيْثِ، كَمَا يَنْعِقُ الرَّاعِي بِغَنَمِهِ).

    والأمطار رحمةٌ وبركة، فإذا جاءت صيفًا كانت غيظًا، وربَّما أدَّت زيادتُها إلى سيولٍ وفيضاناتٍ مخرِّبةٍ ومُهلِكة، وبهذا دمر الله قوم نوح ، {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}.

    إن المسلمَ المتمسكَ بهدي النبيِّ َ لا يفرحُ إذا رأى الغيومَ تجمعت، والسُّحُبَ تراكمت، وحَجبَت الشمسُ ضياءَها، وتابعت الرياحُ هبوبها، لأنّ هذه الآيات لا يُدرى ما فيها؛ هل هي محمَّلة بالخير والبركة والرحمة؟ وهذا ما يتمناه المؤمنون.

    أو هي محمَّلةٌ بدمارٍ وتدمير، وإغراقٍ ونارٍ وأعاصيرَ؟

    عن عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الرِّيحِ وَالْغَيْمِ، عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، فَإِذَا مَطَرَتْ سُرَّ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ ذَلِكَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ عَذَابًا سُلِّطَ عَلَى أُمَّتِي»، وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: «رَحْمَةٌ».

    فـ[إذا نزلَ الغيثُ فإنَّ من السنَّة أن يقولَ المسلمُ عند نزولِه: "اللهمَّ صيِّباً نافعاً"...

    وفي هذا دلالةٌ على أنَّ المطرَ قد يكون نزولُه رحمةً ونعمةً، وهو النافعُ، وقد يكونُ نزولُه عقوبةً ونقمةً وهو الضارّ... والدعاء المذكور يُستحبُّ بعد نزول المطرٍ، للازديادِ من الخيرِ والبركة.

    ومن الواجبِ على العبدِ في هذا المقامِ الكريمِ أنْ يعرفَ نعمةً الله عليه، وينسبَ الفضلَ إليه، فهو سبحانه مُولِي النِّعمِ ومُسْدِيها، بيدِه العطاءُ والمنع، والخفضُ والرفع، لا ربَّ سواه ولا إله غيره... فالأمطارُ والغيثُ من اللهِ لا من الرياحِ ولا الأنواء، فقد قال اللهُ تعالى في الحديث القدسي "... أَصْبَحَ من عبَادِي مؤمنٌ بِي وكافِرٌ، فأمَّا مَن قال: مُطرنا بفضل الله ورَحْمَتِه، فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأمَّا مَن قال: مُطِرْنا بنَوْءِ كذا وكذا، فذَلكَ كافرٌ بِي مُؤْمنُ بالكَوْكَب".

    فالقائل عند نزول المطر: (مُطرنا بفضل الله ورحمته)، قد نَسبَ النعمةَ لمُعطيها، وأضافَ المنَّةَ لموليها، واعتقدَ أنَّ نزولَ هذا الفضلِ والخيرِ والرحمةِ إنَّما هو محضُ نعمةِ الله، وآثارُ رحمتِه سبحانَه.

    وأمَّا القائل عند نزول المطر: (مُطرنا بنوء كذا وكذا) فلا يخلو من أمرين: إمَّا أن يعتقد أنَّ المُنْزِّلَ للمطرِ هو النجمُ، وهذا كفرٌ ظاهرٌ ناقلٌ من ملَّة الإسلام، أو يعتقدَ أنَّ المُنْزِّلَ للمطرِ هو الله، والنوءَ سببٌ، فيضيفُ النعمةَ إلى ما يراه سبباً في نزولها، وهذا من كُفرِ النّعمةِ وهو من الشركِ الخفيِّ.

    أتعرفون ما هي الأسباب الحقيقية لنزول الغيث والبركات؟ فالرياحُ ليست من الأسباب، و الأنواءُ ليست من الأسبابِ لنُزولِ المطر، وإنَّما سببُ نزولِ المطرِ؛فضلُ الله ورحمتُه وحاجةُ العبادِ وافتقارُهم إلى ربِّهم، وسؤالُهم إيَّاه، واستغفارُهم وتوبتُهم إليه، ودعاؤهم إيَّاه بلسانِ الحال ولسانِ المقال، فيُنزِّلُ عليهم الغيثَ بحكمتِه ورحمتِه، في الوقتِ المناسبِ لحاجتِهم وضرورتِهم، ولا يتمُّ توحيدُ العبدِ حتى يعترفَ بنِعَمِ اللهِ الظاهرةِ والباطنةِ عليه وعلى جميعِ الخلق، ويُضيفُها إليه، ويستعينُ بها على عبادتِه وذِكْره وشكره.

    والمسلم المحبُّ للسنةِ النبويةِ يعرِّضَ بعضَ أعضائه للمطرِ النازل، قَالَ أَنَسٌ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ أي كشفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبَهُ، حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ، فَقُلْنَا: (يَا رَسُولَ اللهِ لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟!) قَالَ: «لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ تَعَالَى»

    ومعناه؛ [... أي بتكوينِ ربِّه إياه، ومعناه أَنَّ الْمَطَرَ رَحْمَةٌ، وَهِيَ قَرِيبَةُ الْعَهْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا فَيُتَبَرَّكُ بِهَا ... ويُسْتَحَبُّ عِنْدَ أَوَّلِ الْمَطَرِ أَنْ يَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيَنَالَهُ الْمَطَرُ...].

    والبَرْدُ يُحوِجُ الناسَ إلى المسحِ على الخفَّين في هذه الأيام، فيجوزُ المسحُ على الخفَّين إذا أدخلَ قدمَيه طاهرتين يومًا وليلة، من أوَّلِ مَسْحةٍ مسَحَها بعدَ الحدَثِ إلى مثلِ وقتها، فينتهي توقيتُ المسح، وهذا للمقيم، ويبقَى الوضوءُ بأحكامِه لا ينتقضُ بانتهاء مدةِ المسح.

    ويحوِجُهم أيضا إلى التيمُّم إذا كانت هناك برودةٌ شديدةٌ في الماءِ أو الجوّ، وذلك بضرْبِ الأرض بكفَّيه، ثم نفخِهما، ومسحِ الوجه واليدين إلى الرسغين، ويُنتقض التيمُّمُ بنواقضِ الوضوء، ويُزاد عليها وجودُ الماءِ والقُدرةُ على استخدامه.

    لكن لا تعني شدةُ البرْدِ أنْ يتلثَّمَ أثناءَ صلاته؛ رجلاً كانَ أو امرأةً، وكذلك الإسدالُ، أي يضعُ ثوبًا على عاتقِه دونَ أنْ يُدخلَ يديه في أكمامِه، هذا هو الإسدال، فهذا كلُّه مكروه، وأما الإسبال فهو أن يسبلَ الرجلُ ثوبَه تحت الكعبين، والمرأةُ تجعلُ ثوبَها يزيد عن ذراعٍ تحت الكعبين، والإسبال مكروه أيضا كراهةً شديدة.

    والناس يحتاجون إلى الجمع بين الظهر والعصر، أو المغرب والعشاء عند وجود المطرِ أو البردِ الشديدِ، أو الرياح الشديدة، أو الظلمة الشديدة، أو الوحل والطين.

    ويحتاجون إلى قولِ المؤذنِ عند الحيعلتين معهما أو بدونهما، أو بعد الأذان كاملا: «أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ»؛ فقد كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ المُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ، يَقُولُ: «أَلاَ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ»، أو «صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ»، أو يقول: «وَمَنْ قَعَدَ فَلَا حَرَجَ»، فعَنْ نُعَيْمِ بْنِ النَّحَّامِ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: (نُودِيَ بِالصُّبْحِ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ وَأَنَا فِي مِرْطِ امْرَأَتِي، فَقُلْتُ: (لَيْتَ الْمُنَادِيَ قَالَ: مَنْ قَعَدَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ)، فَنَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ أَذَانِهِ: «وَمَنْ قَعَدَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ». ، ونحو ذلك أثناء نزول الأمطار أو أحد الأسباب السابقة. كلُّ ذلك ونحوُه من أحكامِ المطرِ والرياحِ وغيرها مما يحتاجه المسلم، وبينته الشريعة.

    وفي الختام؛ هل هناك رياح في الجنة؟

    والجواب: أن الجنة {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}.

    أمَّا الريحُ فموجودةٌ في الجنة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا، يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُونَ حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ، وَاللهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا".

    «اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِيشَةً تَقِيَّةً، وَمِيتَةً سَوِيَّةً، وَمَرَدًّا غَيْرَ مُخْزٍ وَلا فاضِحٍ، اللَّهُمَّ لا تُهْلِكْنَا فَجْأَةً، وَلا تَأْخُذْنَا بَغْتَةً، وَلا تُعْجِلْنَا عَنْ حَقٍّ وَلا وَصِيَّةٍ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْعَفَافَ وَالْغِنَى، وَالتُّقَى وَالْهُدَى، وَحُسنَ عَاقِبَةِ الآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِّ وَالشِّقَاقِ، وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ فِي دِينِكَ، يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».

    {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ}.



    ************************************************** **********


    خطبة اليوم من إلقاء فضيلة الشيخ : فؤاد أبو سعيد


    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد



    أضرار المعاصي على المجتمعات والأفراد



    إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله :

    إن الله جل وعلا لا يأمر إلا بما يتضمَّن كلَّ خير للعباد، وما يحقِّق المصالحَ في المعاش والمعاد. ومن هنا فالذنوبُ والمعاصي من أعظم الأضرار على العباد والبلاد، بل كلّ شرٍّ في الدنيا والآخرة فأساسُه ارتكابُ القبائح والموبقات، وسببُه اجتراحُ المعاصي والسيئات.
    الذنوبُ والمعاصي كم أزالت من نعمة، وكم جلبت من نقمة، وكم أحلَّت من مذلّة وبَلية.
    معاشرَ المسلمين،
    للمعاصي من الآثار القبيحة المذمومة ما يعود على الفرد والجماعة، وما يصيب القلبَ والبدن، وما يعمّ الدنيا والآخرة، ما لا يعلمه إلاّ الله جل وعلا. وإن من أضرار الذنوب والآثار السيئة للمعاصي يعود على الناس كافة، ويضرّ بالمجتمعَ عامة.

    فمن تلك الأضرار البالغةِ والآثار السيئة أن المعاصي سببٌ لحرمان الأرزاق، وسببٌ لفشوّ الفقر وحرمان البركة فيما أُعطي العباد، جاء في المسند عن النبي : ((إن الرجل ليُحرَم الرزقَ بالذنب يصيبُه))، يقول ابن عباس ما: (إنّ للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسَعة في الرزق، وقوَّة في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق. وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبُغضاً في قلوب الخلق).
    المعاصي والذنوبُ متى تفشَّت في المجتمع تعسَّرت عليه أمورُه، وانغلقت أمامَه السبل، فيجدُ أفرادُه حينئذ أبوابَ الخير والمصالح مسدودةً أمامهم، وطرقَها معسَّرة عليهم، ولا غرو فالله جل وعلا يقول: وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً.

    المعاصي سببٌ لهوان العبد على ربّه وسقوطه من عينه، قال الحسن البصري رحمه الله "هانوا عليه فعصوه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم". ومتى هان العبدُ على الله جل وعلا لم يُكرمْه أحد كما قال سبحانه: وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ .
    وإن المجتمعَ المسلم متى فشت فيه المعاصي والموبقاتُ وعمّت بين أبنائه الذنوبُ والسيئات كان ذلك سبباً في ذلته وصغاره أمام المخلوقات جميعهاً، ففي مسند أحمد عن النبي : ((وجُعلت الذلة والصغارُ على من خالف أمري))، فالعزَّة إنما هي في تحقيق طاعة الله وطاعة رسوله ، مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً .

    لما فُتحت قُبرص بَكى أبو الدرداء رضي الله عنه فقيل له: ما يبكيك في يوم أعزَّ الله فيه الإسلامَ وأهله؟ فقال: (ما أهون الخلق على الله إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملكُ تركوا أمرَ الله فصاروا إلى ما ترى).
    جاء في المسند عن النبي أنه قال: ((يوشك أن تتداعى عليكم الأمم من كلِّ أفق، كما تتداعى الأكلةُ على قصعتها))، قلنا: يا رسول الله، أمن قلة يومئذ؟ قال: ((لا، وأنتم كثير ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، تنزَع المهابة من قلوب عدوّكم، ويُجعل في قلوبكم الوهن))، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: ((حبُّ الدنيا، وكراهة الموت))، وفي المسند أيضاً وسنن أبي داود بسند حسن عن النبي أنه قال: ((إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهادَ سلَّط الله عليكم ذلاً، لا ينزعه حتى تراجعوا دينكم))، وفي روايةٍ: ((أنزل الله عليكم من السماء بلاءً، فلا يرفعه عنكم حتى تراجعوا دينكم)). ولذا كان من دعاء بعض السلف: "اللهم أعزَّني بطاعتك، ولا تذلَّني بمعصيتك".

    إخوة الإسلام،
    من آثار الذنوب والمعاصي على البلاد والعباد أنها تُحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في الماء والهواء والزروع والثمار والمساكن وغيرها، قال جل وعلا: ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ ٱلَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . والمراد بالفساد في الآية النقصُ والشرور والآلام التي تحدث في الأرض عند معاصي العباد، فكلَّما أحدثوا ذنباً أحدث الله لهم عقوبة، قال بعض السلف: "كلّما أحدثتم ذنباً أحدث الله لكم من سلطانه عقوبةً"، قال مجاهد: "إذا ولي الظالمُ وسعى بالظلم والفساد فيحبس الله بذلك القطرَ، حتى يهلك الحرثُ والنسل"، ثم قرأ هذه الآية ثم قال: "أما والله، ما هو ببحركم هذا، ولكن كلّ قرية على ماءٍ جارٍ فهو بحر"، وبمثله قال غيره من المفسرين.

    جاء في سنن ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمر ما قال: قال : ((يا معشر المهاجرين، خمسُ خصالٍ أعوذ بالله أن تدْركوهن: ما ظهرتِ الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بها إلاّ ابتُلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قومٌ المكيالَ والميزان إلا ابتُلوا بالسنين وشدَّة المؤنة وجَور السلطان، وما منع قومٌ زكاةَ أموالهم إلاّ مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطروا، ولا خفَر قومٌ العهدَ إلا سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعضَ ما في أيديهم، وما لم تعملْ أئمتُهم بما أنزل الله جل وعلا في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم))، وفي المسند من حديث أم سلمة: ((إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمَّهم الله بعذاب من عنده)).

    إخوة الإيمان،
    ومن آثار المعاصي على العباد تسلّطُ الأعداء وتمكّن الأشرار من الأخيار، جاء عن النبي أنه قال: ((والذي نفسي بيده، لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليوشكنَّ الله أن يبعثَ عليكم عذاباً من عنده، ثم تدعونَه فلا يُستجاب لكم)) رواه الترمذي وقال: "حديث حسن"، وحسنه المنذري وغيره.

    معاشر المسلمين،
    من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تزيل النعم، وتحلّ النقم، وتقلب الأمنَ مخاوف، والسعادةَ شقاءً والصلاح فساداً، وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ، قال علي : (ما نزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة). فمتى غيَّر العبادُ طاعةَ الله جل وعلا بمعصيته، وغيَّروا شكرَه بكفره وأسبابَ رضاه بأسبابِ سخطه غُيِّرت عليهم النعمُ التي هم فيها، ومتى غيَّروا المعاصي بالطاعة غيَّر الله عليهم العقوبة بالعافية والذلَّ بالعز والشقاءَ بالسعادة والراحة والطمأنينة، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مّن دُونِهِ مِن وَالٍ ، ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ .

    أيها المسلمون،
    من عقوبات المعاصي والآثام انتشارُ الأمراض النفسيّة بين أفراد المجتمع، وحلولُ المخاوف والقلق، وحصولُ الهمّ والضجر. ذلكم أن الذنوبَ تَصرِف القلوبَ عن صحّتها واستقامتها إلى مرضها وانحرافها، فلا يزال القلبُ مريضاً معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياتُه وصلاحُه، فتأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوبُ أمراضُ القلوب وداؤها، ولا دواء لها إلا بتركها.

    قال جل وعلا: إِنَّ ٱلأبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ ، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "ولا تحسبنَّ أنّ النعيم في هذه الآية مقصورٌ على نعيم الآخرة وجحيمها فقط، بل في دورهم الثلاثة هم كذلك، أعني: دار الدنيا ودار البرزخ ودارَ القرار. فهؤلاء ـ أي: أصحاب الطاعة ـ في نعيم، وهؤلاء ـ أصحابُ العصيان ـ في جحيم، وهل النعيم إلاَّ نعيمُ القلب؟! وهل العذاب إلا عذاب القلب؟! وأيّ عذابٍ أشدّ من الخوف والهمّ والحزن وضيق الصدر؟!" انتهى كلامه رحمه الله

    ولذا ـ عباد الله ـ فأهلُ الطاعة والتقوى في مأمن من الهموم والغموم، وفي بعد عن الضجر والقلق، ذلك بأنهم حقّقوا طاعةّ الله، واجتنبوا معاصيَه، فربنا جل وعلا يقول: فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ، ويقول عز من قائل: إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .

    فاتقوا الله عباد الله، وحقِّقوا طاعتَه تفلحوا، واجتنبوا معاصيَه تسعَدوا، وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً
    بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الآيات والبيان، أقول قولي هذا، وأستغفر الله إنه هو الغفور الرحيم.


    الخطبة الثانية

    الحمد لله حمداً لا ينفد، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الفرد الصمد، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله أفضل من تعبّد، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فيا أيها المسلمون، أوصيكم ونفسي بوصية الله جل وعلا للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّـٰكُمْ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ.
    إخوة الإيمان، الذنوبُ والمعاصي تمحقُ بركةَ الدنيا والدين، تمحقُ بركةَ العمر والرزق، وبركة العلم والعمل وغيرها، بل ما مُحقت البركةُ من الأرض إلاّ بمعاصي الخلق، والله جل وعلا يقول: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ ءامَنُواْ وَٱتَّقَوْاْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَـٰهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ، والله جل وعلا يقول: وَأَلَّوِ ٱسْتَقَـٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَـٰهُم مَّاء غَدَقاً.

    ولذا فيا عباد الله،
    إن معصيةَ العاصي تعود على غيره بشؤم هذا الذنب، فيحصل الضرر حينئذ على الجميع، قال أبو هريرة : (إن الحُبارى لتموت في وكرها من ظلم الظالم)، ويقول غير واحد من أهل السلف: "إنّ البهائم تلعن عصاةَ بني آدم إذا اشتدَّت السنة وأمسك المطر، تقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم".
    الذنوبُ والمعاصي تجرِّئ على العبد ما لم يكن يجترئْ عليه من أصناف المخلوقات، فتجترِئ عليه الشياطينُ بالأذى والإغواء والوسوسة والتخويف والتحزين وإنسائه ما به مصلحتُه في ذكره ومضرّته في نسيانه، ويجترِئ عليه حينئذ شياطينُ الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره، بل ويجترِئ عليه أهلُه وخدمه وأولادُه وجيرانه، قال بعض السلف: "إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خُلق دابّتي وامرأتي"، ذلكم أن اللهَ يدفع عن المؤمنين الطائعين شرورَ وأضرارَ الدنيا والآخرة، فالله جل وعلا يقول: إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ .

    عباد الله،
    إن الله أمرنا بأمر عظيم، ألا وهو الصلاة والسلام على النبي الكريم.
    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد، وارض الله عن الخلفاء الراشدين...



    ************************************************** ************



    خطبة اليوم من إلقاء فضيلة الشيخ : حسين آل الشيخ



    التعديل الأخير تم بواسطة سُلاف; الساعة 01-11-2013, 02:21 PM.

    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد
    رد: مختارات من خطب الجمعة

    المشاركة الأصلية بواسطة سمسم مشاهدة المشاركة
    جزاك الله كل خير اختي العزيزة
    كثرت الفتن في الفترة الاخيرة
    ابعدنا الله عنها وينير ابصارنا ويوحد صفوفنا

    اللهم آمين يا رب العالمين
    هذا ما نحن في حاجة اليه الآن أكثر من أي شئ آخر : وحدة الصف والترابط
    الطائفية نخرت قوام الأوطان العربية ، لا ادري والله ما الذي اصابنا !
    كنا دائما نعيش في وئام وألفة وترابط حتى مع اليهود ... فما الذي اصابنا الآن وبتنا نتناحر ونحن أبناء دين واحد ويجري في عروقنا الدم نفسه ؟

    اللهم أصلح أحول المسلمين في كل مكان وأبعد عنهم نار الفتنة

    اترك تعليق:


  • سمسم
    رد
    جزاك الله كل خير اختي العزيزة
    كثرت الفتن في الفترة الاخيرة
    ابعدنا الله عنها وينير ابصارنا ويوحد صفوفنا

    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد
    التوجيه النبوي في مواجهة الفتن






    الحمد لله المحمود على كل حال، وصلَّى الله وسلم على عبده ورسوله كريم المزايا وشريف الخصال، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل.

    أما بعد: عباد الله! فاستمعوا لوصية الله لكم من فوق سبع سموات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) ، والتقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وغضبه وقاية، ومن الحكم الشائعة المعروفة والمجربة أن "الوقاية خير من العلاج"، وأن "درهم وقاية خير من قنطار علاج"، فالأمور إذا لم تضبط من البداية، ويتنبه لمآلاتها وعواقبها، فقد تصل بها الحال إلى الخروج عن السيطرة، وتستعصي على العلاج.

    ولذا كان -صلى الله عليه وسلم- يحرص كل الحرص على تعليم أصحابه ومن بعدهم أمته كيفية الخروج من المأزق قبل أن يحصل، ويعلمهم أيام السلم كيفية الوقاية من الفتن، وسبل الخروج منها بعد وقوعها، وذلك من باب:

    عَرَفْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرِّ
    لكــــنْ لِتَوَقِّيــــــهِ
    وَمَنْ لا يعْرِف الشَّرَّ
    مِن النَّاسِ يَقَعْ فِيه

    عباد الله: إننا بحاجة دائمًا وأبدًا بالتذكير بمنهج حبيبنا -صلى الله عليه وسلم- التطبيقي في الفتن، وإذا كان البحث عن سبيل النجاة والسلامة واجبًا في الأوقات كلها فهو يتأكد أكثر فأكثر في أوقات الالتباس والأزمات، ففي حال الهرج والمرج كثيرًا ما يفقد البعض صوابه ورشده؛ نظرًا لتوالي وقائع الأحداث وتطوراتها الدراماتيكية، وتلاطم أمواجها، وفجائعها الملتهبة، خاصة مع تصدر وسائل الإعلام بأنواعها المختلفة لإدارة دفة أخبار الفتن والأزمات، والحبكة الفنية في عرض أخبارها ومستجداتها بكل جدارة، وأحياناً حسب الخطة المرسومة لها من لدن مُلاكها وتوجهاتهم.

    ولذا فإن أمانة المنابر الشرعية تقتضي تذكير الناس بين فينة وأخرى بالمنهج النبوي في الفتن، الذي هو صمام الأمان، والسياج المنيع، والحصن الحصين للمرء بعد الله عز وجل، فمن تمسك به فقد نجا وركب سفينة نوح، وسلم من الانجرار والانزلاق في أتون الفتنة، والتيه في متاهاتها، والضياع في دروبها الملتوية، فكم وكم ممن انزلق ففوجئ أنه أصبح طرفًا في قضية ليس له فيها مصلحة، ولا ناقة له فيها ولا جمل.

    وهكذا، من ابتعد عن منهج السماء في الفتن، وقلَّت معرفته وتمسكه به، كانت زلته على حسب جهله وبُعده، كما يقول -صلى الله عليه وسلم- في هذا: "مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ! فَأَطَاعَتْهُ طَائِفَةٌ فَأَدْلَجُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْهُ طَائِفَةٌ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَاجْتَاحَهُمْ". فعلى كل مسلم أن يسأل نفسه: هل أنا ممن أطاعه أو ممن كذبه؟.

    كيف وقد بُعث -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، وهاديًا للثقلين أجمعين، فما من خير إلا دلنا عليه، وما من شر إلا حذرنا منه ، فهو -بأبي وأمي- أرحم الخلق للخلق، وأحرص الخلق على هدايتهم ونصحهم، (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)

    وعن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ؛ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ، وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا؟!".

    فاستعيذوا بالله من الفتن أيها الناس! فهي أول وسيلة للسلامة من الفتن، فهو مسلك سويّ، ومنهج نبويّ؛ فقد كان دأبه -صلى الله عليه وسلم- الاستعاذة من الفتن تعليمًا لنا، ورسمًا للمنهج الصحيح، كما أخبرت عَائِشَةُ -رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ، وَعَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ".

    وأخبر أَنَس بْن مَالِكٍ -رضي الله عنه- قال: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ". لاحظوا أن صيغة (كان) تفيد الاستمرار، أي أنه -صلى الله عليه وسلم- قلما يترك هذا الدعاء، والذي يشتمل على جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم- ، فقوله: (فتنة المحيا والممات) يشمل كل الفتن؛ ففتنة المحيا: ما يحصل من الفتن في زمن الحياة، وفتنة الممات: تشمل ما يحصل من الفتن زمن الموت من أول النزع وهَلُمَّ جَرًّا.

    قال ابن بطال رحمه الله: "هذه كلمة جامعة لمعانٍ كثيرةٍ، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ من جميع ما ذُكر دفعًا عن أمته، وتشريعًا لهم؛ ليبين لهم صفة المهم من الأدعية".اه

    فمداومته -صلى الله عليه وسلم- على هذا الدعاء، تشريع للأمة وتعليم لهم، وأن يكونوا على حذر منها، وهذا يؤكد أن الدعاء أنجع وسيلة للنجاة من شر الفتن، وإخماد نارها ووأدها في مهدها؛ لأن الفتنة إذا ظهرت في قوم تطال الصالح والطالح؛ والقاعد والساعي، وتأتي على الأخضر واليابس، فربما عمهم العقاب جميعًا، كما يقرره قوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً). ولذلك عندما ذكر الإمام البخاري كتاب الفتن في صحيحه ابتدأه بقوله: "بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: فذكر هذه الآية ثم قال: وَمَا كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُحَذِّرُ مِنْ الْفِتَنِ.

    فإذا تبين لنا أهمية ذلك فإنك تعجب من غفلة الناس عنه، ثم إن من أهمِّ ما يوجهنا إليه المنهج النبوي التعوذ بالله من رأس الفتنة وأسها، ممن يتولَّى كِبْرَها وصُنعها وترويجها ممن يصِلون الليل بالنهار، ويعملون في السر والجهار، فأعلى الفتن ضررًا أحبها إليهم، كما في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رضي الله عنهما- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :"عَرْشُ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ، يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ يَفْتِنُونَ النَّاسَ؛ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً لِلنَّاسِ".

    فالشيطان قد أيس وقنط أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، لكنه لم ييأس من إغراء المصلين، وإيغار صدور بعضهم على بعض، فهو وجنده من الجن والإنس يسعون دومًا في التحريش والتحريض بالشر بين الناس، وإثارة النعرات القبلية والمذهبية والطائفية، وإحياء الصراعات الجاهلية، وتهييج الشحناء والخصومات، وإذكاء نار الحروب والعداوات.

    ومن تأمل في واقعنا المعاصر علم حقيقة قول المصطفى -صلى الله عليه وسلم- : "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" فالحديث يحذر من خطورة الفرقة، ويبين أهمية دور الأفراد في الحفاظ على وحدة المجتمع، بل ويؤكد أن تحصين نفسك من الأفكار الدخيلة هو نوع مساهمة في الحفاظ على تماسك المجتمع المسلم.

    وربما، لأجل هذا، بل ومن كمال شفقته -صلى الله عليه وسلم- علينا، ولشدة خطورة الفتن، وكثرة الغفلة عنها وعن آثارها، علَّمنا -صلى الله عليه وسلم- أن نكرر التعوذ بالله من فتنة المحيا والممات عدة مرات كل يوم دبر كل صلاة، وفي أشرف الأماكن المساجد؛ كما في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- : "إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الْآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ".

    فتكرار هذا الدعاء خمس مرات في الفرائض وحدها -فضلاً عن النوافل- دليل على خطورة هذه الأمور المذكورة في الحديث، وشدة الحاجة إلى التعوذ بالله منها؛ ولذا كان -صلى الله عليه وسلم- يعلِّم أصحابه -رضي الله عنهم- هذا الدعاء، كما يعلِّمهم السورة من القرآن؛ ففي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه-ما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ؛ يَقُولُ:"قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ".

    فهلا سألنا أنفسنا: لماذا كل هذا التأكيد والتذكير بهذا الدعاء إلى هذا الحدِّ؟ وهل تفطنَّا لأسراره والحكمة منه؟ فقد كان سلفنا الكرام مدركين وواعين لأهمية هذا الدعاء، حتى كان الإمام طاووس -رحمه الله- يأمر ابنه بإعادة الصلاة إذا لم يقرأ بهذا الدعاء في صلاته.

    ثم لا بد أن نتنبه ونعي أن من مقتضى التعوذ بالله من الفتن الابتعادُ عنها وعن أسبابها ودواعيها، وأما من يدّعي أنه يتعوذ بالله من الفتن، وهو متلبس بأسبابها، ومخالط لأهلها، أو أنه يحوم حول حماها، فلا يعتبر صادقًا فيما ادعاه، بل هو متبع هواه، وكاذب في زعمه ودعواه، وفعله يناقض قوله ..

    فالدَّعَاوى مَا لم يُقِيمُوا عَلَيْهَا *** بَيِّنَاتٍ، أصحابُها أدْعِيَاءُ

    يقول ابن الجوزي: "ما رأيت أعظم فتنة من مقاربة الفتنة، وقلَّ أن يقاربها إلا من يقع فيها، ومَن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه". وصدق من قال:

    مَنْ جَاوَرَ الشَّرَّ لَمْ يَأْمَنْ عَوَاقِبَهُ *** كَيْفَ الحَيَاةُ مَعَ الحيَّاتِ في سَفَطِ؟

    هكذا علَّمنا -صلى الله عليه وسلم- أن نجتنب أسباب الفتن ودواعيها، وأن نبتعد عن الاستشراف لها، والتطلع إلى أهلها، بل كان -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ بالله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأمرنا أن نتعوذ بالله منها؛ كما في صحيح مسلم من حديث زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رضي الله عنه- قال: قَالَ -صلى الله عليه وسلم- : " تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الْفِتَنِ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، قَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ".

    وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ..." فذكر الحديث وفيه قوله تعالى: "يَا مُحَمَّدُ، إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ؛ وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ". ما أعظمه من توجيه من رب غفور رحيم كريم! فاللهم إِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فاقبضنا إليك غير مفتونين.

    بل ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أكثر من هذا؛ حيث فصّل القول في الفتن وفي مجانبتها، وضرب الأمثال في كيفية النجاة منها، فذكر -صلى الله عليه وسلم- أنه كلَّما كنا أقلَّ مباشرةً للفتنة كنا أقلَّ إصابة بشرِّها، فهي تصيب الإنسان بقدر تعلقه بها ومباشرته لها، فمن تصدَّى لها بشخصه قابلته بشرها؛ وبالمقابل، فإن من أعرض عنها بالابتعاد أعرضت عنه، وسلم من غوائلها، فتأملوا معي في ألفاظ هذه الروايات: فعن أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "سَتَكُونُ فِتَنٌ؛ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْهَا مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ".

    ومعنى قَوْله "مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا" أَيْ تَطَلَّعَ لَهَا بِأَنْ يَتَصَدَّى وَيَتَعَرَّض لَهَا وَلَا يُعْرِض عَنْهَا "تَسْتَشْرِفُهُ" أَيْ: تُهْلِكهُ بِأَنْ يُشْرِف مِنْهَا عَلَى الْهَلَاك. وفي لفظ مسلم قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- : "تَكُونُ فِتْنَةٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْيَقْظَانِ، وَالْيَقْظَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ". يقول الإمام النووي رحمه الله: وَأَمَّا قَوْله -صلى الله عليه وسلم- :"الْقَاعِد فِيهَا خَيْر مِنْ الْقَائِم...إِلَى آخِره" فَمَعْنَاهُ بَيَانُ عَظِيمِ خَطَرِهَا، وَالْحَثُّ عَلَى تَجَنُّبِهَا وَالْهَرَبِ مِنْهَا, وَمِنْ التَّشَبُّثِ فِي شَيْء منها, وَأَنَّ شَرَّهَا وَفِتْنَتَهَا يَكُونُ عَلَى حَسَبِ التَّعَلُّقِ بِهَا.


    إخوة الإبمان: في هذه النصوص بيان صريح وكشف واضح لعدة أمور، منها: أولاً:عظم خطر داء الفتنة. ثانيًا: التحذير منها ومن أهلها أشد التحذير. ثالثًا: الحث على عدم الدخول فيها، وتجنب أسبابها ودواعيها، أو التعلق بشيء منها؛ لأن شرها يكون على حسب التشبث بها، فمن مستقل ومستكثر.

    ومن تفكر في هذه الأمور الثلاثة ثم نظر في واقعنا وجد أن بعض الناس "فِي ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ, فَأَعْلَاهُمْ فِي ذَلِكَ السَّاعِي فِيهَا؛ بِحَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِإِثَارَتِهَا, ثُمَّ مَنْ يَكُونُ قَائِمًا بِأَسْبَابِهَا؛ وَهُوَ الْمَاشِي, ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُبَاشِرًا لَهَا؛ وَهُوَ الْقَائِمُ, ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مَعَ النَّظَّارَةِ (وهم القومُ يَنْظُرون إليها) دون قتال أو مشاركة؛ وَهُوَ الْقَاعِدُ, ثُمَّ مَنْ يَكُونُ مُجْتَنِبًا لَهَا وَلَا يُبَاشِرُ وَلَا يَنْظُرُ؛ وَهُوَ الْمُضْطَجِعُ الْيَقْظَانُ, ثُمَّ مَنْ لَا يَقَعُ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ رَاضٍ؛ وَهُوَ النَّائِمُ, وَالْمُرَادُ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْخَيْرِيَّةِ مَنْ يَكُونُ أَقَلَّ شَرًّا مِمَّنْ فَوْقَهُ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ".

    فمخاطر الفتن متعددة الجوانب، فلا يقف الأمر في حال مباشرة الفتن ومقارفة دواعيها عند الخسائر المادية أو الشخصية فقط، بل قد يصل الأمر إلى المخاطرة بالإيمان الذي هو أغلى وأعز ما يملكه المسلم، فقد يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا؛ كما في حديث أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ دُخِلَ -يَعْنِي عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ- فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ".

    توضيح وبيان دقيق للغاية، ومنهج نبوي تطبيقي رائع، فهل من معتبر ومتعظ؟! وهل يعلم الناس هذا المنهج؟ ثم هل يسعون لتطبيقه، ويحذرون من الفتن ويدرؤونها بما استطاعوا إلى دفعها سبيلاً؟.

    نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعيذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجمع كلمتنا وأن يوحد صفنا، و يحفظ أمننا وإيماننا، وجميع بلاد المسلمين؛ ومن أرادنا بسوء أن يجعل تدبيره تدميراً عليه، وأن يكفينا شرورهم.

    أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .


    ************************************************** ***************


    خطبة اليوم من إلقاء فضيلة الشيخ : إبراهيم الدويــش



    اترك تعليق:


  • سمسم
    رد
    اختي العزيزة سلاف
    تفوتي خطب من مواضيعك اعوض قراتها
    جزاك الله كل خير على ما تنقلين لنا من خطب
    جعله الله في ميزان حسناتك

    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد


    آيـات الله في الشتـاء





    الحمد لله حمد الشاكرين، أحمده سبحانه على نعمه المتوالية وعطاياه المتتالية، ونعمه التي لا تعد ولا تحصى, أحمده جلا وعلا وأثني عليه الخير كله، لا نحصي ثناء عليه هو سبحانه كما أثنى على نفسه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسليماً كثيرا.

    أما بعد:أيها المؤمنون -عباد الله-: اتقوا الله تعالى، ثم اعلموا -رحمكم الله- أن من الأمور العظيمة النافعة للعبد في هذه الحياة التفكرّ في آيات الله، والتأملَّ في عجائب مخلوقاته؛ فإن ذلك -عباد الله- يزيد الإيمان ويقوي اليقين، ويُعْظمُ الصّلة برب العالمين (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار)
    عباد الله: ومن آيات الله العظيمة، اختلافُ الأحوال ليلٌ ونهار، حرٌّ وبرد، شتاء وصيف، ربيع وخريف، ولله الحكمة البالغة في ذلك، وتأمَّل -رعاك الله- نعمة الله على عباده في دخول الشتاء على الصيف والصيف على الشتاء، كيف يكون بالتدرُّج والمهلة، ولو كان دخول أحدهما على الآخر مفاجأةً لأضرَّ بالأبدان وأهلكها، ولأفسد النبتات وأتلفها، فما أعظمها من نعمة وما أجلها!

    عباد الله: ولله آيات عظيمة تكثر في الشتاء: كالرعد والبرق، والصواعق والمطر والبَرَد, يقول الله تعالى: (ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) وثبت في المسند وسنن الترمذي وغيرهما عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "أقبلت يهودُ على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: "يا أبا القاسم: نسألك عن أشياء إن أجبتنا فيها اتبعناك وصدَّقناك وآمنا بك، قال: فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على نفسه، قالوا: الله على ما نقول وكيل، فسألوه أسئلة وقالوا في جملة أسئلتهم: أخبرنا عن الرعد ما هو قال: "الرعد ملك من الملائكة مَوْكولٌ بالسحاب بيديه، أو في يده مخراقٌ من نار، يزجر به السحاب، والصوت الذي يسمع منه زجره السحاب إذا زجره حتى ينتهيَ إلى حيث أمره الله".

    قالوا: صدقت. ويقول الله -جلا وعلا- في شأن المطر والبرد: (ألم تر أن الله يزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار * يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)

    عباد الله: والبرد الشديد من زمهرير جهنم، كما أن الحرَّ الشديد من سمومها، في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اشتكت النار إلى ربها، فقالت يا رب أكل بعضي بعضاً؛ فجعل لها نفسين نفساً في الشتاء ونفساً في الصيف، فشدة ما تجدون من البرد وشدة ما تجدون من الحر من سمومها".

    فهلا ذكرنا -عباد الله- ذلك بالنار؟!، ومن يتحمل البرد والحر الشديد في الدنيا؟ فكيف بحر جهنم وزمهريرها، أجارنا الله وإياكم منها.

    عباد الله: لقد حملنا نفوسنا هموماً كثيراً تتعلق بالدنيا، هموم السنين والأزمنة، وهموم الغلاء والرُّخْص، وهموم الشتاء قبل أن يجيء، وهم الصيف قبل أن يجيء، هموم متلاحقة، فماذا أبقينا في قلوبنا من هم الآخرة وأهوالها وأحوالها؟ وفي الدعاء المأثور: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا".

    عباد الله: ومع دخول الشتاء هل تذكَّر أهلُ الجِدَةِ واليسار إخوانهم الفقراء، وذوي الحاجة ممن يفترشون الأرض ويلتحفون السماء؟ ممن لمس البرد الشديدُ أجسامَهم، واخترقت شدتُه عظامهم، ألا اتقينا حر جهنم وزمهريرها بالعطف على هؤلاء؟!

    وفي الحديث: "اتقوا النّار ولو بشقِّ تمرة"، والتمرة -عباد الله- لحافٌ يفيد هؤلاء في البرد، كما أن الغطاء لحاف، والثوب الدافئ لحاف، والمعطف لحاف، فتصدق يا من وسع الله عليه، ولو بشيء يسير، فربما يكون في نظرك حقير، وهو عند ذلك الفقير المحتاج كبيرٌ عظيم، ولا تحقرن من المعروف شيئا.

    عباد الله: والشتاء غنيمة باردة للعباد والمطيعين، فنهاره قصير يسهل صيامه، وليله طويل يهون قيامه، يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "الشتاء غنيمة العابدين"، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "مرحباً بالشتاء، تتنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر فيه النهار للصيام".

    وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "نعم زمان المؤمن الشتاء، ليله يطول يقومه، ونهاره قصير يصومه"، هذه مشاعر السلف -رحمهم الله- في الشتاء فرحٌ وغبطةٌ همة ونشاط، جِدٌّ واجتهاد فيما يقرِّب إلى الله.

    وأما أحوال كثير من الناس في هذا الزمن، ففي تضيع الفرائض والواجبات، وغَشَيان المحرمات والمكروهات، والاجتراء على حدود ربِّ الأرض والسموات، والسهر الطويل في الليل على ما يُغضِبُ الله ويُظلِمُ القلوبَ، ويُضعِفُ نور الإيمان.

    اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلمين، ورُدَّنا إليك ربنا ردًّا جميلا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، واجعل لنا إلهنا في تعاقب الليالي والأيام عبرة ومُدَّكرًا، وفي توالي الشهور والفصول والأعوام عظة ومعتبرًا، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه يغفر لكم، إنه هو الغفور الرحيم.


    الخطبة الثانية:
    الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلّم تسليماً كثيرا.أما بعد:أيها المؤمنون -عباد الله-: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فإن من اتقى الله وقاه، وأرشده إلى خير أمور دينه ودنياه، وتقوى الله -عباد الله- أن يعمل العبد بطاعة الله على نور من الله يرجو ثواب الله، وأن يترك معصية الله على نور الله يخاف عقاب الله.
    عباد الله: وإن مما ينبغي علينا أن نتذكّره في هذا الزمان: أن المسلم عظيم الصلة بالله الواثق بربه -جلا وعلا-، إذا خاف من الأعداء ومن مداهمتهم لا يزيده ذلك إلا صلةً بالله -عز وجل- والتجاءًا إليه، ورجوعاً إليه سبحانه بامتثال أوامره، والبعد عن نواهيه، وقد ثبت في السنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خاف عدوًّا قال: "اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم".

    فالمسلم في أموره كلها وأحواله جميعها ملتجئٌ إلى الله، معتصم به سبحانه (ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم) ومن السنة -عباد الله- أن يقول المسلم في مثل هذا المقام: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، كما قال الصحابة -رضي الله عنهم-، وفي ذلك يقول الله -جلا وعلا-: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)

    ومعنى حسبنا الله: أي كافينا الله، والله -جلا وعلا- كافي من توكل عليه، واعتمد عليه، ولجأ في أموره كله إليه، فنسأل الله -جلا وعلا- ألا يَكِلَنا إلا إليه، فهو حسبنا ونعم الوكيل.

    فصلُّوا وسلِّموا -رحمكم الله- على النبي المصطفى محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما)

    وقال -صلى الله عليه وسلم-: "من صلَّى علي واحدة، صلى الله عليه بها عشرا" اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

    وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين الأئمة المهديين -أبي بكر وعمر وعثمان وعلي-، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين, اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واحم حوزة الدين يا رب العالمين, اللهم انصر من نصر دينك, اللهم انصر إخواننا في كل مكان.

    اللهم انصرهم في فلسطين وفي كل مكان, اللهم انصرهم نصراً مؤزراً, اللهم أيدهم بتأييدك، واحفظهم بحفظك يا ذا الجلال والإكرام, اللهم وعليك باليهود المعتدين الغاصبين فإنهم لا يعجزونك, اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.

    اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين, اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، وأعنه على البر والتقوى، وسدده في أقواله وأعماله، وألبسه ثوب الصحة العافية، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة.

    اللهم وفق جميع ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-، واجعلهم رحمة ورأفة على عبادك المؤمنين, اللهم آت نفوسنا تقواها، زكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولها.

    اللهم إنا نسألك الهدى والسداد, اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ماعلمنا منه وما لم نعلم, اللهم وإنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.

    اللهم أجرنا من النار, اللهم أجرنا من النار, اللهم أجرنا من النار, اللهم كل قضاء قضيت لنا خير يا رب العالمين, اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وبارك لنا في أسماعنا وأبصرنا وأزواجنا وذريتنا وأموالنا، واجعلنا مباركين أينما كنا.

    اللهم اغفر لنا ذنبنا كله، دقه وجله، أوله وآخره، سره وعلنه, اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك أنت الغفور الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


    ************************************************** **********

    خطبة اليوم من إلقاء فضيلة الشيخ : عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر


    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد


    تـرك ما لا يعنيـك




    الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، خَلَقَ الإِنْسانَ، وخَصَّهُ بِالنُّطْقِ والبَيانِ، وأَحْصَى عَلَيهِ مَا يُخْفِيهِ ومَا يُبْدِيهِ، ونَهاهُ عَنِ التَّدخُّلِ فِيمَا لاَ يَعْنِيهِ، أَحْمَدُهُ سُبْحانَهُ بِما هُوَ لَهُ أَهلٌ مِنَ الحَمْدِ وأُثْنِي عَلَيْهِ، وأُومِنُ بِهِ وأَتَوكَّلُ عَلَيْهِ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ومَنْ يُضلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، يُعْطِي مَا يَشاءُ ويَمنَعُهُ ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرفَعُهُ))، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، كَانَ صَمتُهُ فِكْراً، ونُطْقُهُ ذِكْراً، ونَظَرُهُ عِبَراً، -صلى الله عليه وسلم- وعَلَى آلِهِ وأَصْحابِهِ ومَنْ تَبِعَهم بإِحْسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

    أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
    تَرْكُ مَا لاَ يَهُمُّ الإِنْسانَ ولاَ يَعنِيهِ تَصَرُّفُ العُقلاَءِ وشَأْنُ النُّبَهاءِ، وخُلُقُ الأَذكِياءِ وحِلْيَةُ الأَولياءِ، فَلاَ عَجَبَ أَنْ يَكُونَ هَذا الخُلُقُ عَلَى حُسْنِ الإِسلاَمِ دَلِيلاً، وإِلَى النَّجاةِ والسَّلاَمَةِ سَبِيلاً، فَعَنْ أَبِي هُريْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((مِنْ حُسْنِ إِسلاَمِ المَرءِ تَركُهُ مَا لاَ يَعنِيهِ)) وجَاءَ فِي الأَثَرِ: ((عَلَى العَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيراً بِزَمانِهِ، مُقْبِلاً عَلَى شأْنِهِ، حَافِظاً لِلِسَانِهِ، ومَنْ حَسِبَ أَنَّ كَلاَمَهُ مِنْ عَملِهِ قَلَّ كَلاَمُهُ إِلاَّ فِيما يَعنِيهِ))، إِنَّ كَمالَ الإِسلاَمِ والإِيمانِ سَبِيلٌ مُوصِلٌ إِلى الإِحْسانِ، ومَنْ بَلَغَ هَذا المَقامَ راقَبَ اللهَ حَقَّ المُراقَبَةِ، وحَاسَبَ نَفْسَهُ حَقَّ المُحاسَبَةِ، فَإِذا تَكلَّمَ ذَكَرَ أَنَّ اللهَ لَهُ سَمِيعٌ، وإِذا سَكَتَ ذَكَرَ أَنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ، فَتَرَكَ مَا لاَ يَعنِيهِ مِنَ الأَقوالِ والأَفْعالِ، وفَرَّغَ نَفْسَهُ لِما يَهُمُّهُ فِي أُمورِ دِينِهِ ودُنْياهُ، وبِذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الأَتْقياءِ، ويَنْدَرِجُ فِي سِلْكِ الأَولياءِ، هَؤلاءِ الذِينَ أَثْنَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهم، بَعْدَ الإِعلاَمِ بِأَنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِيمٌ بِالسَّرائِرِ، مُطَّلِعٌ عَلَى كُلِّ مُضْمَرٍ وظَاهِرٍ، يَقُولُ اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالَى: ((وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ))

    أَيُّها المُؤمِنونَ :
    إِنَّ العَاقِلَ هُوَ الذِي يَتَحرَّى قَبْلَ الإِقْدامِ عَلَى القَولِ أَو العَملِ؛ فيُوَجِّهُ السُّؤالَ إِلى نَفْسِهِ: هَلْ هَذا القَولُ أَو هَذا العَملُ يَهُمُّهُ ويَعنِيهِ، فَإِنْ رأَى ذَلِكَ أَقْدَمَ، وإِنْ رأَى غَيْرَ ذَلِكَ امتَنَعَ وأَحْجَمَ، فَمِنَ الأَقوالِ والأَفْعالِ مَا هُوَ ضَروريٌّ، بَلْ مِنْهُ مَا هُوَ طَاعَةٌ وعِبادَةٌ، ومِنْهُ كَذلِكَ مَا هُوَ فَضلٌ وزِيادَةٌ، وصَاحِبُ الوَعْيِ اليَقِظِ والفِكْرِ العَمِيقِ يُخْضِعُ كَلاَمَهُ وعَملَهُ قَبلَ الصُّدورِ لِلْفَحْصِ والتَّحقِيقِ، فَإِذا كَانَ الأَمْرُ يَهُمُّهُ تَكلَّمَ أَو عَمِلَ، مُلاَحِظاً الوَقْتَ المُناسِبَ لِكَلاَمِهِ أَو عَملِهِ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتكلَّّمونَ فِي أُمورٍ تَعنِيهم غَيْرَ أَنَّهُم لاَ يَضَعُونَ الكَلِمَةَ مَوضِعَها، ولاَ يَخْتارونَ مَوقِعَها، فيُعابونَ ويُذَمُّونَ، وهَذا عَيْبٌ قَادِحٌ وخَطأٌ فَادِحٌ، فَمَنْ تَدَخَّلَ فِي أَمْرٍ لاَ يَعنِيهِ حَدَثَ حَتْماً مَا يَضُرُّهُ ويُؤذِيهِ، ومَنْ كَثُرَ لَغَطُهُ كَثُرَ غَلَطُهُ، يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهما-: ((خَمْسٌ لَهُنَّ أَحْسَنُ مِنَ الدُّهْمِ المُوقَّـفَةِ -أَي الخَيلِ التِي فِي قَوائِمِها بَياضٌ-: لاَ تَتكلَّمْ فِيما لاَ يَعنِيكَ فَإِنَّهُ فَضْلٌ ولاَ آمِنُ عَلَيكَ الوِزْرَ، ولاَ تَتكلَّمْ فِيما يَعنِيكَ حَتَّى تَجِدَ لَهُ مَوضِعاً؛ فَإِنَّهُ رُبَّ مُتكَلِّمٍ فِي أَمْرٍ يَعنِيهِ قَدَ وَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَوضِعِهِ فَعِيبَ، ولاَ تُمارِ حَلِيماً ولاَ سَفِيهاً؛ فَإِنَّ الحَلِيمَ يَقْلِيكَ، وإِنَّ السَّفِيهَ يُؤْذِيكَ، واذْكُرْ أَخاكَ إِذا تَغَيَّبَ عَنْكَ بِما تُحِبُّ أَنْ يَذكُرَكَ بِهِ، وأَعفِهِ مِمّا تُحِبُّ أَنْ يُعفِيَكَ مِنْهُ، واعْمَلْ عَمَلَ رَجُلٍ يَرَى أَنَّهُ مُجازَى بِالإِحْسانِ، مأْخُوذٌ بِالإِجْرامِ)). إِنَّ الذِي يَضْبِطُ نَفْسَهُ حِينَ يُرِيدُ عَملاً أَو يُزمِعُ مَقالاً يأْتِي عَمَلُهُ مُتْقَناً رَشِيداً، وقَولُهُ مُتَّزِناً سَدِيداً، وبِذلِكَ يَصلُحُ عَمَلُهُ ويَتَحقَّقُ أَملُهُ، يَقولُ اللهُ تَعالَى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً))، إِنَّ التَّدخُّلَ فِيما لاَ يَهُمُّ الإِنْسانَ ولاَ يَعنِيهِ رُبَّما يُبعِدُهُ عَنِ الجَنَّةِ ويُقْصِيهِ، فَالأَمْرُ إذاً جِدُّ خَطِيرٍ وشَرٌّ مستَطِيرٌ، وبِقَدْرِ تَنزُّهِ المَرءِ عَنْ هَذا التَّصرُّفِ المَعِيبِ تَكُونُ مَكانَتُهُ ودَرجَتُهُ عِنْدَ اللهِ القَرِيبِ المُجِيبِ، فَعَنْ أَنسِ بنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: ((تُوفِّيَ رَجُلٌ فَقالَ رَجُلٌ آخَرُ -ورَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَسْمَعُ-: أَبْشِرْ بِالجَنَّةِ، فَقالَ الرَّسولُ -صلى الله عليه وسلم- : أَولاَ تَدْرِي؟ فَلَعلَّهُ تَكلَّمَ فِيما لاَ يَعنِيهِ، أَو بَخِلَ بِما لا يُنقِصُهُ)).

    أَيُّها المُسلِمونَ :
    إِنَّ تَدخُّلَ المَرءِ فِي شُؤونِ الغَيْرِ تَطَفُّلٌ يَجلِبُ الذَّمَّ ولاَ يأْتِي بِخَيرٍ، خُصوصاً إِذا كَانَ هَذا التَّدَخُّلُ لاَ ضَرورةَ لَهُ ولاَ حَاجَةَ إِلَيْهِ، ويَزدادُ هَذا التَّدَخُّلُ شَناعَةً ويَتدَنَّى وَضاعَةً إَذا كَانَ القَصدُ مِنْ وَرائهِ الإِفْسادَ لاَ الإِصلاَحَ، فَبَعْضُ ضِعافِ النُّفوسِ يَنْتَهِزُونَ فُرصَةَ خِلاَفٍ وشِقاقٍ بَيْنَ زَوْجَيْنِ أَو شَقِيقَيْنِ، أَو قَرِيبَيْنِ أَو صَدِيقَيْنِ، فَيَفْرِضُونَ أَنْفُسَهم عَلَى الطَّرَفَيْنِ، ويَتدخُّلونَ بَينَهما دُونَ دَعْوةٍ، بِقَصْدِ اتِّساعِ هُوَّةِ الخِلاَفِ، وتَضخِيمِ أَسْبابِ الاختِلافِ، فَإِذا بِهِمْ يُعقِّدونَ الأَمْرَ، ويَنفَخونَ فِي الجَمْرِ، وهَذا تَصرُّفٌ صَفِيقٌ، يَقْطَعُ عَلَى الإِصلاَحِ السَّبِيلَ ويَسُدُّ أَمَامَهُ الطَّرِيقَ. لاَ بأَسَ أَنْ يَتَدَخَّلَ المَرءُ حَتَّى دُونَ رَغْبَةِ الطَّرفَيْنِ بِشَرطِ سَلاَمَةِ النِّيَّةِ وحُسْنِ الطَّوِيَّةِ، بلْ هُوَ أَمْرٌ مَطلُوبٌ وعَملٌ مَرغُوبٌ وتَصرُّفٌ مَحْبوبٌ، بلْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ قُربى وعِبادَةٌ، تُحقِّقُ لِلْمُجتَمَعِ الأَمْنَ وتَضَعُهُ عَلَى طَرِيقِ السَّعادَةِ، فَالإِسلاَمُ يُحذِّرُ مِنَ الخُصوماتِ، ويَرَى مَنْعَها مِنْ أَفضلِ القُرُباتِ، فَالخُصومَةُ إِذا استَمرَّتْ ولَمْ تَجِدْ مَنْ يُساهِمُ فِي إِطْفائِها؛ تَدفَعُ بِالخَصْمَينِ إِلى طَمْسِ الفَضائِلِ، وتَضْخِيمِ الرَّذائلِ، بلْ رُبَّما تَدفَعُ إِلى تَلْفِيقِ الأَكاذِيبِ بِقَصدِ التَّشهِيرِ، وقَدْ حَذَّرَ الإِسلاَمُ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ تَحْذِيرٍ، واعتَبَرَ ذَلِكَ ظُلْماً وبُهتاناً، وبَغْياً وعُدواناً، يَقذِفُ بِصاحِبِهِ إِلى عَذابٍ يَخْلُدُ فِيهِ مُهاناً، يَقولُ اللهُ تَعالَى: ((وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً))، وقَالَ -صلى الله عليه وسلم- : ((أَيُّما رَجُلٌ شَدَّ عَضُدَ امرئٍ مِنَ النَّاسِ فِي خُصُومَةٍ لاَ عِلْمَ لَهُ بِها فَهُوَ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنزَع،َ وأَيُّمَّا رَجُلٌ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ مُسلِمٍ كَلِمَةً وهُوَ مِنْها بَريءٌ لِيُشْقِيَهُ بِها فِي الدُّنْيا كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يَرمِيَهِ بِها فِي النَّارِ)) ثُمَّ تَلاَ مِصداقَ ذَلِكَ مِنْ كِتابِ اللهِ تَعالَى: ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ))، إِنَّ طُولَ السُّكوتِ عَمَّا لاَ يَهُمُّ الإنسانَ ولاَ يَعنِيهِ يَبلُغُ بِالإِنْسانِ رِفْعَةَ المَكانَةِ وعُلُوَّ الدَّرَجَةِ وسُمُوَّ المَنزِلَةِ، قَالَ رَجُلٌ لِلقمان: مَا بَلغَ بِكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: ((صِدْقُ الحَدِيثِ، وطُولُ السُّكوتِ عَمَّا لاَ يَعنِينِي)).

    فَاتَّقوا اللهَ -عِبادَ اللهِ-، واعلَموا أَنَّ أَيّامَ الإِنْسانِ ولَيالِيَهُ وأَنفاسَهُ هِيَ رأْسُ مَالِهِ، فَإِنْ صَرفَها فِِيما لاَ يَعنِيهِ أَضَاعَها فِيمَا يُغْضِبُ اللهَ ولاَ يُرضِيهِ، وهَذَهِ جَسارَةٌ، لاَ يَجنِي المَرءُ مِنْ وَرائها سِوَى الخَسارَةِ، أَمَّا مَنْ جَعلَ كُلَّ هَمِّهِ مَا يَعنِيهِ فَقَدْ نَالَ الخَيْرَ الكَثِيرَ والرِّبْحَ الوفِيرَ، ونَظَرَ إِلَيْهِ النَّاسُ بِاحتِرامٍ وتَقْدِيرٍ.
    أقُولُ قَوْلي هَذَا وَأسْتغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُمْ، فَاسْتغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتجِبْ لَكُمْ إِنهُ هُوَ البَرُّ الكَرِيْمُ.

    *** *** ***

    الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ وَلِيُّ الصَّالِحِيْنَ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ إِمَامُ الأَنبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِيْنَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللهِ أَجْمَعِيْنَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِيْنَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ.

    أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللهِ :
    إِنَّ أَكْثَرَ مَا يُرادُ بِتَرْكِ مَا لاَ يَعنِي حِفْظُ اللِّسانِ مِنْ لَغْوِ الكَلاَمِ، فَإِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ يَلفِظُ بِها اللِّسانُ مَحْصِيَّةٌ ومُسَجَّلَةٌ عَلَى الإِنْسانِ، يَقولُ اللهُ تَعالَى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ، مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ))، وعِنْدَما وَصَفَ اللهُ المُؤمِنينَ المُفلِحينَ ذَكَرَ مِنْ أَوصافِهِمْ إِعراضَهُمْ عَنِ اللَّغْوِ، ووَضَعَ هَذا الوَصفَ بَيْنَ فَرِيضتَيْنِ مِنْ فَرائِضِ اللهِ المُحكَمَةِ وهُما الصُّلاَةُ والزَّكاةُ، لِلْدَّلالَةِ عَلَى عَدَمِ انفِصالِ هَذا الوَصفِ عَنِ الإِسلاَمِ وبُنْيانِهِ، وعِمادِهِ وأَركَانِهِ، يَقولُ اللهُ تَعالَى: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ))، إِنَّ حِفْظَ اللِّسانِ مِمَّا لاَ يَعنِي الإِنْسانَ يُجَنِّبُهُ الكَثِيرَ مِنَ الآثامِ، ويَدفَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ، ويَقِيهِ مِنْ مَواطِنِ الخَطَرِ، بِهِ يَسلَمُ مِنَ العَطَبِ والزَّلَلِ، ويَنْجُو مِنَ الزَّيْغِ والخَلَلِ، وبِهذا يَسلُكُ طَرِيقَ النَّجاةِ، وخِلاَفُ ذَلِكَ شُرودٌ وتَخَبُّطٌ فِي كُلِّ اتِّجاهٍ، فَعَنْ عُقبةَ بِنِ عَامرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسولَ اللهِ مَا النَّجاةُ؟ قَالَ: ((امْسِكْ عَلَيكَ لِسانَكَ، ولْيَسَعْكَ بَيتُكَ، وابكِ عَلَى خَطِيئتِكَ)). إِنَّهُ لَيسَ أَسلَمُ لِدِينِ المَرءِ وإِيمانِهِ مِنْ حُسْنِ كَلاَمِهِ وحِفْظِ لِسانِهِ؛ فَفُضولُ الكَلاَمِ زِيادَةٌ لاَ مَعنَى لَها، ولاَ طَائِلَ مِنْ وَرائِها، لِذَلِكَ كَانَ لاَ خيْرَ فِيها، بلِ الخَيْرُ فِي تَجَنُّبِها وتَوقِّيها، يَقولُ اللهُ تَعالَى: ((لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً))، وقَدَ جَاءَ فِي الأَثَرِ: ((طُوبَى لِمَنْ عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وأَنْفَقَ الفَضلَ مِنْ مَالِهِ، وأَمْسَكَ الفَضلَ مِنْ قَولِهِ))، إِنَّ لِسانَ حَالِ الإِنسانِ العَاقِلِ يَقولُ:((أُصمتُ فأَسلَمُ، وأَسْمَعُ فأُعلَمُ))، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبدِاللهِ بنِ مَسعودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ ارتَقَى الصَّفا فأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقالَ: يَا لِسانُ قُلْ خَيْراً تَغْنَمْ، واسكُتْ عَنِ الشَّرِّ تَسلَمْ مِنْ قَبلِ أَنْ تَنْدَمَ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقولُ: ((أَكْثَرُ خَطأِ ابنِ آدمَ فِي لِسانِهِ))، وجَاءَ فِي أَثَرٍ عَنْ عِيسى -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- قَولُهُ: ((لاَ تُكْثِروا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُم، فَإِنَّ القَلْبَ القَاسِي بَعِيدٌ مِنَ اللهِ، ولاَ تَنظُروا فِي ذُنوبِ النَّاسِ وانظُروا فِي عُيوبِكُم؛ فَإِنَّ النَّاسَ مُبتلىً ومُعافَى، فارحَموا أَهلَ البَلاَءِ واحمدوا اللهَ عَلَى العَافِيَةِ)).

    فَاتَّقوا اللهَ -عِبادَ اللهِ-، واعلَموا أَنَّ مِنْ طَاعَةِ اللهِ الكَبِيرِ المُتعالِ، تَرْكَ مَا لاَ يَعنِي مِنَ الأَقوالِ والأَفعالِ.

    هَذَا وَصَلُّوْا وَسَلِّمُوْا عَلَى إِمَامِ الْمُرْسَلِيْنَ، وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِيْنَ، فَقَدْ أَمَرَكُمُ اللهُ تَعَالَى بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ عَزَّ قَائِلاً عَلِيْماً: (( إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا صَلُّوْا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوْا تَسْلِيْمًا ))
    اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى سَيِّدِنَا إِبْرَاهِيْمَ وَعَلَى آلِ سَيِّدِنا إِبْرَاهِيْمَ، فِي العَالَمِيْنَ إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيْدٌ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنْ خُلَفَائِهِ الرَّاشِدِيْنَ، وَعَنْ أَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَعَنْ المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ إِلَى يَوْمِ الدِّيْنِ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِيْنَ.
    اللَّهُمَّ اجْعَلْ جَمْعَنَا هَذَا جَمْعاً مَرْحُوْماً، وَاجْعَلْ تَفَرُّقَنَا مِنْ بَعْدِهِ تَفَرُّقاً مَعْصُوْماً، وَلا تَدَعْ فِيْنَا وَلا مَعَنَا شَقِيًّا وَلا مَحْرُوْماً.
    اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالعَفَافَ وَالغِنَى.
    اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تَرْزُقَ كُلاًّ مِنَّا لِسَاناً صَادِقاً ذَاكِراً، وَقَلْباً خَاشِعاً مُنِيْباً، وَعَمَلاً صَالِحاً زَاكِياً، وَعِلْماً نَافِعاً رَافِعاً، وَإِيْمَاناً رَاسِخاً ثَابِتاً، وَيَقِيْناً صَادِقاً خَالِصاً، وَرِزْقاً حَلاَلاً طَيِّباً وَاسِعاً، يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
    اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلاَمَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَوَحِّدِ اللَّهُمَّ صُفُوْفَهُمْ، وَأَجمع كلمتهم عَلَى الحق، وَاكْسِرْ شَوْكَةَ الظالمين، وَاكْتُبِ السَّلاَمَ وَالأَمْنَ لِعَبادك أجمعين.

    اللَّهُمَّ رَبَّنَا اسْقِنَا مِنْ فَيْضِكَ الْمِدْرَارِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الذَّاكِرِيْنَ لَكَ في اللَيْلِ وَالنَّهَارِ، الْمُسْتَغْفِرِيْنَ لَكَ بِالْعَشِيِّ وَالأَسْحَارِ.
    اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاء وَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ خَيْرَاتِ الأَرْضِ، وَبَارِكْ لَنَا في ثِمَارِنَا وَزُرُوْعِنَا وكُلِّ أَرزَاقِنَا يَا ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ.
    رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
    رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا، وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً، إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ.
    رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِيْنَ.
    اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِيْنَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ مُجِيْبُ الدُّعَاءِ.


    ****************************


    Diese Website steht zum Verkauf! maraoman.net ist die beste Quelle für alle Informationen die Sie suchen. Von allgemeinen Themen bis hin zu speziellen Sachverhalten, finden Sie auf maraoman.net alles. Wir hoffen, dass Sie hier das Gesuchte finden!


    اترك تعليق:


  • سُلاف
    رد


    حقوق العامل على رب العمل





    إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونتوبُ إليه، ونعوذُ به من شرورِ أنفسِنا، ومن سيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِهِ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدين.

    أمَّا بعدُ: فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حَقَّ التقوى.

    عباد الله: إن الإسلام يتشوَّف دائماً إلى مجتمعٍ متكافلٍ متعاونٍ متماسك، يسود بين أتباعه الأخوة والمودة، ويقوم على أساس العدل، بعيداً عن الظلم والحيف والجور.

    وإن من أعظم ما يقوِّض تماسك الأمة ويفسد الحال بين أفرادها الظلمَ، بمختلف صوره وألوانه، وفي شريعة الله تحريم الظلم، في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالله -جل وعلا- بكمال عدله تنزه عن الظلم فقال -جل جلاله-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ، وقال تعالى وتقدس: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)، وقال -جل جلاله-: (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً)

    وجاء تحريم الظلم في السنة النبوية، ففي الحديث القدسي الذي يرويه نبينا عن ربنا -جل جلاله- قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلتُه بينكم محرماً فلا تظالموا"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "ألا إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله".

    وبيَّنت السنة عاقبة الظلم، وأن عاقبته وخيمة، وعذابه أليم، وقد حذَّر الله الظالمين وتوعدهم أعظم وعيد، قال -جل وعلا-: (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ)

    وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن الله بالمرصاد للظالمين يمهلهم ثم يأخذهم على غِرة أخذ عزيز مقتدر، وفي الصحيح يقول -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم تلا قوله: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) ، (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)

    والظلم ظلماتٌ يوم القيامة، "اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة"، وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن دعوة المظلوم مستجابة؛ لأنه مظلوم فدعاؤه على ظالمه مستجاب، يقول -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: "واتق دعوة المظلوم! فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".

    وأخبر -صلى الله عليه وسلم- عن انتصار الله للمظلوم على ظالمه، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثةٌ لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والمسافر، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول: وعزتي! لأنصرنَّك؛ ولو بعد حين".

    وأخبر -صلى الله عليه وسلم- عن حقيقة الإفلاس يوم القيامة، فسأل أصحابه، "أتدرون من المفلس فيكم؟"، قالوا يا رسول الله: المفلس فينا من لا دينار له ولا متاع، قال: "ولكن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وزكاة وصيام، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا، وضرب هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن قضيت حسناته قبل أن يُقضى ما عليه أُخِذ من سيئات المظلوم فطُرِحت عليه، ثم طُرِح في النار".

    وقال أيضاً: "من كان عنده مظلمةٌ لأخيه من عِرضٍ أو شيء فليتحلله اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم"، إن كان عملٌ صالح أُخِذ منه بقدر مظلمته، وإلا أُخِذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طُرِح في النار.

    أيها المسلم: هذه عاقبة الظلم في الدنيا والآخرة، فمن اتقى الله في نفسه وتبصر في نفسه ترفع عن الظلم مادام قادراً عليه.

    أيها الإخوة: ومن أنواع الظلم ظلم الخدم والعمال والكفلاء والمستأجرَين بأنواع الظلم والعدوان الصادرة من بعض أولئك، فمن هذا الظلم تكليفهم ما يغلِب عليهم ولا يستطيعون القيام به، وتهديدهم إن قصروا بقطع شيءٍ من المرتب أو نحو ذلك، وهذا من أنواع الظلم، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "إخوانكم خوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فلا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم".

    ومن أنواع ظلمهم أيضاً تأخير مستحقاتهم والمماطلة بها إلى أن تمضي الشهور العديدة وهم يطلبونها ولا يحصلون عليها؛ لأن هذا الكفيل وهذا المسؤول وصاحب المؤسسة لا يبالي بالضعفاء والمساكين، ولا يقيم لهم وزناً، ولا يخشى عقوبة الله، إما لقوة نفوذه، أو لأنه يستطيع التحايل والتلاعب على هؤلاء، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "مطل الغني ظلم"، أي تأخير القادر على الوفاء ظلمٌ لذلك الإنسان المستحق للوفاء، ظلمك إياه أن أخَّرت مستحقه وهو يستحقه، أخرته عليه شهوراً عديدة، يعتبر هذا ظلمٌ منك وعدوان.

    ويقول -صلى الله عليه وسلم-: "ليُّ الواجد يُحِلُ عِرضه وعقوبته" أي امتناع القادر على الوفاء يُحِل عقوبته وسبه، لأنه ارتكبَ إثماً عظيماً وأخَّر ما يجب عليه إيفاءه.

    ومن أنواع الظلم جُحدان الحقوق وإنكارها، والتنصل من هذه الحقوق، ودعوى أنه قد أعطى ولم يعطِ، وهذا يقع من بعض الأفراد، أو من بعض المؤسسات والشركات فلا يبالون، وربما استغلوا جهل الجاهل فوقَّع على أمورٍ لا يعلم حقيقتها يدينونه بها والله يعم أنهم كاذبون.

    ومن أنواع ظلم العامل أيضاً عدم توفير الأمور الأساسية له من مسكنٍ أو غذاء أو أمورٍ صحية يخالف بذلك أفعاله السيئة فيتنكر لكل هذه الحقوق.

    ومن أنواع ظلمهم الإتِّجار بهم كما يفعله بعض أولئك، فيتَّجرون بالخادمات أحياناً، يأتي بها على أن المرتب ألف ريالٍ أو نحو ذلك ثم يؤجرونها للآخرين بأضعاف تلك الأجرة ويأخذون الزائد ويعطونها أقل من ذلك عن جهلٍ منها وعدم علمٍ بحقيقة الأمور، وهذا خطأٌ ومخالفٌ لشريعة الله، فإن أولئك أحرار وليسوا أرقاء لك تتصرف فيهم كيف تشاء، والله خلق آدم وذريته أحراراً، وإنما الرق طارئٌ بأسباب الكفر والضلال، وإلا فالأصل أنهم أحرار، لهم حقوقهم الواجبة.

    فكونك تأخذ الخادمة بأجرٍ معين ثم تؤجرها على آخرين بأضعاف تلك الأجرة وتأخذ هذا الأجر الزائد لك، إن هذا ظلمٌ وعدوان، فالأفراد والمؤسسات والشركات لا يجوز لهم التلاعب بهذا؛ بل يُعطى العامل حقه، وإن أُجِّر لغيره أُعطيَ ما يستحق، إلا برضىً منه وطيب من نفسه؛ أما هذا التحايل وهذه المماطلات بأولئك فتلك صورةٌ خاطئة ينبغي للمسلم البعد عنها.

    إن المجتمع المسلم يجب أن يظهر بالصورة الحقيقية التي جاء بها الإسلام، وهي الوفاء، وأداء الحقوق، والالتزام بها؛ لأن المجتمع المسلم يجب أن تُنقل عنه صورةٌ حسنةٌ طيبة في الوفاء والتعامل الحسَن، كما أمرنا اللهُ بذلك، ورسولُه -صلى الله عليه وسلم-، هذا الواجب على الجميع، الله -جل وعلا- يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وهؤلاء يُخلون بالعقود بأمور.

    ومن إخلالهم بالعقود أن يتفق مع العامل على أجرٍ معين فإذا تمكن منه ماطله بذلك، وحاول أن يفرِض عليه التنازل عما اتفقا عليه لأجل مصلحته، فيتفق معه مثلاً على أجرٍ ثم يحاول أن ينزله إلى أقل من ذلك، والعقد القائم بينهم معروف، لكن هذا الظالم يريد أن يخل بهذا العقد، وهذه معصيةٌ لله، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)

    ومن تلاعب أولئك أنهم يستقدمون أحياناً عمالاً لمؤسسات وهمية ومصانع وهمية لا حقيقة لها ولا وجود لها على أرض الواقع، فيأتي هذا العامل وينتظر العمل في هذه المؤسسة أو في هذه المزرعة أو في أماكن معينة وإذا صاحبه قد أخبره بخلاف الواقع، وخلاف الواقع مصانع وهمية وأعمالٌ لا أرضية لها في أرض الواقع، فماذا يعمل؟ يتركهم فوضى في الشوارع يكتسبون، ثم هو لهم بالمرصاد عند كل وقت فيستغل شيئاً من أجرتهم وينافسهم على مصالحهم.

    يبثهم في الشوارع يعملون على ما يشاءون، لكن هو لهم بالمرصاد في كل شهر يمتص من رواتبهم، يقتص من رواتبهم ظلماً وعدواناً، وينافسهم في أعمالهم، ويضايقهم في معيشتهم، لماذا؟ لأنه استقدمهم!.

    نعم، استقدمتَهم فخُذ منهم قدر ما أنفقت، خذ منهم قدر ما أنفقت وبذلت، أما أن تجعلهم أرقاء لك في كل الأعوام، لا يسافرون إلا بتسليم، ولا يجدد لهم الإقامة إلا بأخذ شيء من أموالهم، هذا ظلمٌ وعدوان، وأكل مالٍ بغير حق، والله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، هذا باطل وخطأ وأخذ مال بغير حق.

    العمل شرفٌ لأهله، وعزٌ لأهله، وأنت أيها المغفل الذي لا تستطيع العمل ولا التنفيذ، وأنت نائمٌ على فراشك بعمالٍ جئت بهم تستغل معيشتهم، وتضايقهم في أرزاقهم، وتقتطع من حقهم ظلماً وعدواناً، هذا أمرٌ لا يجوز إقراره ولا البقاء عليه، ينبغي أن تأخذ قدر ما أنفقت، وما زاد على ذلك فاعلم أنه ظلمٌ في حقك، وأكل مالٍ بغير حق، وحرامٌ عليك!.

    كيف ترضى لنفسك بالدون والهوان؟ هؤلاء يأكلون من عرق جبينهم، يكدحون ويتعبون ويشرفون أنفسهم بالعمل، وأنت مهمتك أن تكون لهم بالمرصاد، تقتص من حقوقهم وتأخذ من أموالهم بغير حق؟! هذا كله ظلمٌ وعدوان.

    ومن أنواع ظلمهم -أيضاً- السب والشتم والأقوال البذيئة وتعييرهم بألقابهم، أو سب بلادهم، أو ضربهم بغير حق.

    ومن ظلمهم أن بعض هذه المؤسسات يؤخرون رواتب العمال سنةً أو أكثر، ثم يقتطعونها من زكاة أموالهم، ويعطونهم من زكاة أموالهم حقوقهم، وهذا ظلمٌ وعدوان؛ لأن الزكاة حقٌ للفقير والمسكين، ولا يمكن أن تكون الزكاة تسقط الواجب عليك، وهذا خطأ، الحقوق الواجبة لا تسقطها الزكاة، كما أن نفقة أولادك لا تكون من زكاة مالك، والنفقة على الأبوين لا تكون من زكاة مالك، فكيف ترضى أن تعطيهم زكاة مالك لتسقط الحقوق الواجبة لهم؟.

    إن تأخير الحقوق يسبب مفاسد عظيمة، منها أن الكفيل قد يكون فقيراً لو تراكمت الشهور عليه لعِجز أن يؤديها، فالواجب أن يؤديها كل شهرٍ بشهره حتى يسلم من التبعات.

    ثم بعضهم يسأل: العامل ترَك عندي مرتب سنة أو سنتين وغادر ولا أعرف مكانه ولا أستدل على عنوانه، إذن ما الحال؟ كل هذا نتيجة للظلم والعدوان وعدم التبصر.

    إنَّ الواجب تقوى الله في هذه الأمور كلها، وأن نعطيَ كل ذي حقٍ حقه، وأن يكون المسلمون صورةً حيةً بتطبيق شريعة الإسلام، وأن ينقل عن المجتمع المسلم أنه مجتمعٌ مسلمٌ حقاً في أقواله وأعماله؛ لأن هذا هو الواجب، إن أيَّ خطأ يقع من العمَّال لاشك أنه قد يكون سببه من العامل ذاته، وقد يكون سببه من صاحب العمل وإهماله.

    أيتها المرأة المسلمة: إن خدمكِ في بيتك أنتِ مسؤولة عنهم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "المرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسؤولةٌ عن رعيتها"، فأنتِ راعيةٌ على مَن في البيت، اتقِي الله في مَن تحت يدك، كوني قدوةً صالحة، احذري الظلم والعدوان، والكلمات البذيئة، والكلمات السيئة، اتقي الله في ذلك.

    ثم أيضاً راعي البيت وشأنه، وإياكِ أن تجعلي ثِقل البيت على هؤلاء المستخدمين، ثم تلومين ما حصل وما حصل! أنتي مسؤولة عن البيت وشؤون البيت والمنزل، أنتِ المسؤولة عن الأطفال كلهم، أنتِ المسؤولة والمؤتمنة، فاتقي الله في الأمور كلها، وعامليهم معاملةً حسنة،...، بدعوتهم إلى الله، ليروا منَّا أخلاقاً طيبة، وتعاملاً حسناً، ودعوةً صادقة، بالأخلاق والكرامة والفضيلة.

    إنَّ المسلم يمثِّل الإسلام في أقواله وأعماله وسلوكه، حتى إذا رآه الغير ورأوا سلوكه الحسن وأخلاقه الفاضلة نقلوا تلك الصورة الحسنة، وتأدَّبوا وتخلَّقوا بأخلاقنا، أمَّا إنْ قابلناهم بسوء العمل، أو رأوا منَّا تهاوناً في أمور ديننا، وتساهلاً في محارمنا، وعدم مبالاةٍ بأخلاق إسلامنا، فإن تلك هي المصيبة العظيمة!.

    فالمسلمون يجب أن يمثلوا الإسلام في أخلاقهم وأعمالهم وتصرفاتهم ليكونوا دعاةً إلى الخير، دعاةً إلى الهدى، أسأل الله أن يثبت الجميع على دينه، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، إنه على كل شيءٍ قدير.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) .

    بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.


    الخطبة الثانية:

    الحمدُ لله، حمدًا كثيرًا طيِّبًا مباركًا فيه، كما يُحِبُّ ربُّنا ويَرضى، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمَّدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وصحبِه، وسلّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يومِ الدينِ.

    أما بعد: فيا أيُّها الناسُ، اتَّقوا اللهَ تعالى حقَّ التقوى.

    عباد الله: يقول -صلى الله عليه وسلم-: "قال الله: ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمُه خصَمْتُه: رجلٌ أعطى بي ثم غدر، ورجلٌ باع حراً ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجراء ثم استوفى حقه ولم يعطهم أجرهم"، هؤلاء الثلاثة الله خصمهم يوم القيامة، فاحذر أخي أن تكون مثلهم، أعط الحقوق لأهلها، وتخلص منها في حياتك قبل أن تلقى الله بها يوم القيامة تتمنى الخلاص ولا ينفعك ذلك.

    أيها المسلمون: إن هدي الإسلام هو الهدي الحق في التعامل مع العامل، فكما يجب على العامل تقوى الله وأداء العمل بإخلاص وأمانة فيجب على رب العمل أن يقابل ذلك بالوفاء بما استلزمه من الحقوق والواجبات.

    ولنجعل من هدي سيد البشر، سيد الأولين والآخرين محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- نبراساً لنا في تعاملنا مع الآخرين، يقول أنس -رضي الله عنه-: "خدمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عشر سنين، والله! ما قال لشيءٍ فعلتُه: لمَ فعلتَه، ولا لشيءٍ تركتُه لمَ تركتَه"، خدمه عشر سنين فنقل تلك الصورة الحية عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع من خدمه.

    أيها المسلم: إن أداءك الحقوق وتخلصك منها من أسباب تفريج الكربات، ونجاةٌ من المهالك والمضايق، في حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، يقول الثالث منهم: "اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم حقهم إلا واحداً ترك الذي له وذهب، فأخذته فاستثمرته، ثم جاءني بعد حِين وقال: يا عبد الله أعطني حقي، قلت: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق كله لك، قال: أتستهزئ بي؟ قلت لا، قال فاستاقه كله، ولم يترك شيئاً، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، قال: فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون من الغار".

    فالمضائق والشدائد إنما ينجِّي منها الأعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى، قال أبو مسعود البدري: كنت أضرب غلاماً لي في السوق، فإذا بصوتٍ يقول: "اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود"، قال: فالتفتُّ فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: "يا أبا مسعود، اللهُ أقدَرُ عليك من قدرتك على هذا"، قال: فألقيت السوط، وقلت: يا رسول الله، والله لا أضرب بعده أحداً.

    هكذا أدَّب محمدٌ أصحابه، ورباهم على القِيم والشيم والفضائل، فلنتقِ الله في أنفسنا، ولنأخذ من هدي نبينا نبراساً لنا في أمورنا كلها؛ لنكون من السعداء، أعطِ العامل حقه مسلماً أو غير مسلم، فالحقوق محفوظةٌ لجميع الخلق بعيداً عن الظلم والعدوان.

    أسال الله أن يوفقني وإياكم لصالح القول والعمل، إنه على كل شيءٍ قدير، واعلموا -رحمكم اللهُ- أنّ أحسنَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ، وعليكم بجماعةِ المسلمين، فإنّ يدَ اللهِ على الجماعةِ، ومن شذَّ شذَّ في النار.

    وصَلُّوا -رَحِمَكُم اللهُ- على عبد الله ورسوله محمد، كما أمركم بذلك ربُّكم، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) .



    **********************************************


    خطبة اليوم من إلقاء فضيلة الشيخ : عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ


    اترك تعليق:

مواضيع شائعة

تقليص

المواضيع إحصائيات آخر مشاركة
أنشئ بواسطة woodvinegareg, 06-18-2026, 01:40 PM
ردود 0
5 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة woodvinegareg
بواسطة woodvinegareg
 
أنشئ بواسطة khaledvision21, 06-17-2026, 06:16 PM
ردود 0
5 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة khaledvision21
بواسطة khaledvision21
 
أنشئ بواسطة khaledvision21, 06-17-2026, 06:03 PM
ردود 0
4 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة khaledvision21
بواسطة khaledvision21
 
أنشئ بواسطة khaledvision21, 06-17-2026, 05:49 PM
ردود 0
8 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة khaledvision21
بواسطة khaledvision21
 
أنشئ بواسطة khaledvision21, 06-17-2026, 05:47 PM
ردود 0
7 مشاهدات
0 معجبون
آخر مشاركة khaledvision21
بواسطة khaledvision21
 
جاري المعالجة..
X