المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بس دقيقه ...قصة رائعة ...



Mayada oulabi
12-28-2010, 02:03 AM
بَسْ دقيقة





بقلم محمد عبد الوهاب جسري





كنت أقف في دوري على شباك التذاكر لأشتري بطاقة سفر في الحافلة إلى مدينة تبعد حوالي 330 كم، وكانت أمامي سيدة ستينية قد وصلت إلى شباك التذاكر وطال حديثها مع الموظفة التي قالت لها في النهاية: الناس ينتظرون، أرجوكِ تنحّي جانباً. فابتعدت المرأة خطوة واحدة لتفسح لي المجال، وقبل أن أشتري بطاقتي سألت الموظفة عن المشكلة، فقالت لي بأن هذه المرأة معها ثمن بطاقة السفر وليس معها يورو واحد قيمة بطاقة دخول المحطة، وتريد أن تنتظر الحافلة خارج المحطة وهذا ممنوع. قلتُ لها: هذا يورو وأعطها البطاقة. وتراجعتُ قليلاً وأعطيتُ السيدة مجالاً لتعود إلى دورها بعد أن نادتها الموظفة مجدداً.



اشترت السيدة بطاقتها ووقفت جانباً وكأنها تنتظرني، فتوقعت أنها تريد أن تشكرني، إلا أنها لم تفعل، بل انتظرتْ لتطمئن إلى أنني اشتريت بطاقتي وسأتوجه إلى ساحة الانطلاق، فقالت لي بصيغة الأمر: احمل هذه... وأشارت إلى حقيبتها.



كان الأمر غريباً جداً بالنسبة لهؤلاء الناس الذين يتعاملون بلباقة ليس لها مثيل. بدون تفكير حملت لها حقيبتها واتجهنا سوية إلى الحافلة، ومن الطبيعي أن يكون مقعدي بجانبها لأنها كانت قبلي تماماً في الدور.



حاولت أن أجلس من جهة النافذة لأستمتع بمنظر تساقط الثلج الذي بدأ منذ ساعة وأقسم بأن يمحو جميع ألوان الطبيعة معلناً بصمته الشديد: أنا الذي آتي لكم بالخير وأنا من يحق له السيادة الآن! لكن السيدة منعتني و جلستْ هي من جهة النافذة دون أن تنطق بحرف، فرحتُ أنظر أمامي ولا أعيرها اهتماماً، إلى أن التفتتْ إلي تنظر في وجهي وتحدق فيه، وطالت التفاتتها دون أن تنطق ببنت شفة وأنا أنظر أمامي، حتى إنني بدأت أتضايق من نظراتها التي لا أراها لكنني أشعر بها، فالتفتُ إليها.




عندها تبسمتْ قائلة: كنت أختبر مدى صبرك وتحملك.



- صبري على ماذا؟



- على قلة ذوقي. أعرفُ تماماً بماذا كنتَ تفكر.



- لا أظنك تعرفين، وليس مهماً أن تعرفي.



- حسناً، سأقول لك لاحقاً، لكن بالي مشغول كيف سأرد لك الدين.



- الأمر لا يستحق، لا تشغلي بالك.



- عندي حاجة سأبيعها الآن وسأرد لك اليورو، فهل تشتريها أم أعرضها على غيرك؟



- هل تريدين أن أشتريها قبل أن أعرف ما هي؟



- إنها حكمة. أعطني يورو واحداً لأعطيك الحكمة.



- وهل ستعيدين لي اليورو إن لم تعجبني الحكمة؟



- لا، فالكلام بعد أن تسمعه لا أستطيع استرجاعه، ثم إن اليورو الواحد يلزمني لأنني أريد أن أرد به دَيني.



أخرجتُ اليورو من جيبي ووضعته في يديها وأنا أنظر إلى تضاريس وجهها. لا زالت عيناها جميلتين تلمعان كبريق عيني شابة في مقتبل العمر، وأنفها الدقيق مع عينيها يخبرون عن ذكاء ثعلبي. مظهرها يدل على أنها سيدة متعلمة، لكنني لن أسألها عن شيء، أنا على يقين أنها ستحدثني عن نفسها فرحلتنا لا زالت في بدايتها.




أغلقت أصابعها على هذه القطعة النقدية التي فرحت بها كما يفرح الأطفال عندما نعطيهم بعض النقود وقالت: أنا الآن متقاعدة، كنت أعمل مدرّسة لمادة الفلسفة، جئت من مدينتي لأرافق إحدى صديقاتي إلى المطار. أنفقتُ كل ما كان معي وتركتُ ما يكفي لأعود إلى بيتي، إلا أن سائق التكسي أحرجني وأخذ مني يورو واحد زيادة، فقلت في نفسي سأنتظر الحافلة خارج المحطة، ولم أكن أدري أنه ممنوع. أحببتُ أن أشكرك بطريقة أخرى بعدما رأيت شهامتك، حيث دفعت عني دون أن أطلب منك. الموضوع ليس مادياً. ستقول لي بأن المبلغ بسيط، سأقول لك أنت سارعت بفعل الخير ودونما تفكير.



قاطعتُ المرأة مبتسماً: أتوقع بأنك ستحكي لي قصة حياتك، لكن أين البضاعة التي اشتريتُها منكِ؟ أين الحكمة؟



- "بَسْ دقيقة".



- سأنتظر دقيقة.



- لا، لا، لا تنتظر.. "بَسْ دقيقة"... هذه هي الحكمة.



- ما فهمت شيئاً.



- لعلك تعتقد أنك تعرضتَ لعملية احتيال؟



- ربما.



- سأشرح لك: "بس دقيقة"،لا تنسَ هذه الكلمة.



في كل أمر تريد أن تتخذ فيه قراراً، عندما تفكر به وعندما تصل إلى لحظة اتخاذ القرار أعطِ نفسك دقيقة إضافية، ستين ثانية.



هل تعلم كم من المعلومات يستطيع دماغك أن يعالج خلال ستين ثانية؟ في هذه الدقيقة التي ستمنحها لنفسك قبل إصدار قرارك قد تتغير أمور كثيرة، ولكن بشرط.




- وما هو الشرط؟



- أن تتجرد عن نفسك، وتُفرغ في دماغك وفي قلبك جميع القيم الإنسانية والمثل الأخلاقية دفعة واحدة، وتعالجها معالجة موضوعية ودون تحيز،




فمثلاً: إن كنت قد قررت بأنك صاحب حق وأن الآخر قد ظلمك فخلال هذه الدقيقة وعندما تتجرد عن نفسك ربما تكتشف بأن الطرف الآخر لديه حق أيضاً، أو جزء منه، وعندها قد تغير قرارك تجاهه.




إن كنت نويت أن تعاقب شخصاً ما فإنك خلال هذه الدقيقة بإمكانك أن تجد له عذراً فتخفف عنه العقوبة أو تمتنع عن معاقبته وتسامحه نهائياً.




دقيقة واحدة بإمكانها أن تجعلك تعدل عن اتخاذ خطوة مصيرية في حياتك لطالما اعتقدت أنها هي الخطوة السليمة، في حين أنها قد تكون كارثية.



دقيقة واحدة ربما تجعلك أكثر تمسكاً بإنسانيتك وأكثر بعداً عن هواك.



دقيقة واحدة قد تغير مجرى حياتك وحياة غيرك، وإن كنت من المسؤولين فإنها قد تغير مجرى حياة قوم بأكملهم...




هل تعلم أن كل ما شرحته لك عن الدقيقة الواحدة لم يستغرق أكثر من دقيقة واحدة؟




- صحيح، وأنا قبلتُ برحابة صدر هذه الصفقة وحلال عليكِ اليورو.



- تفضل، أنا الآن أردُّ لك الدين وأعيد لك ما دفعته عني عند شباك التذاكر. والآن أشكرك كل الشكر على ما فعلته لأجلي.




أعطتني اليورو. تبسمتُ في وجهها واستغرقت ابتسامتي أكثر من دقيقة،



لأنتهبه إلى نفسي وهي تأخذ رأسي بيدها وتقبل جبيني قائلة : هل تعلم أنه كان بالإمكان أن أنتظر ساعات دون حل لمشكلتي،
فالآخرون لم يكونوا ليدروا ما هي مشكلتي،
وأنا ما كنتُ لأستطيع أن أطلب واحد يورو من أحد..




- حسناً، وماذا ستبيعيني لو أعطيتك مئة يورو؟



- سأعتبره مهراً وسأقبل بك زوجاً.



علتْ ضحكتُنا في الحافلة وأنا أُمثـِّلُ بأنني أريد النهوض ومغادرة مقعدي وهي تمسك بيدي قائلة: اجلس، فزوجي متمسك بي وليس له مزاج أن يموت قريباً!




وأنا أقول لها: "بس دقيقة"، "بس دقيقة"...




لم أتوقع بأن الزمن سيمضي بسرعة. كانت هذه الرحلة من أكثر رحلاتي سعادة، حتى إنني شعرت بنوع من الحزن عندما غادرتْ الحافلة عندما وصلنا إلى مدينتها في منتصف الطريق تقريباً.



قبل ربع ساعة من وصولها حاولتْ أن تتصل من جوالها بابنها كي يأتي إلى المحطة ليأخذها، ثم التفتتْ إليّ قائلة : على ما يبدو أنه ليس عندي رصيد.



فأعطيتها جوالي لتتصل.



المفاجأة أنني بعد مغادرتها للحافلة بربع ساعة تقريباً استلمتُ رسالتين على الجوال، الأولى تفيد بأن هناك من دفع لي رصيداً بمبلغ يزيد عن 10 يورو، والثانية منها تقول فيها : كان عندي رصيد في هاتفي لكنني احتلتُ عليك لأعرف رقم هاتفك فأجزيكَ على حسن فعلتك.





إن شئت احتفظ برقمي، وإن زرت مدينتي فاعلم بأن لك فيها أمّاً ستستقبلك.




فرددتُ عليها برسالة قلت فيها: عندما نظرتُ إلى عينيك خطر ببالي أنها عيون ثعلبية لكنني لم أتجرأ أن أقولها لك، أتمنى أن تجمعنا الأيام ثانية، أشكركِ على الحكمة واعلمي بأنني سأبيعها بمبلغ أكبر بكثير.





"بس دقيقة"...





حكمة أعرضها للبيع، فمن يشتريها مني في زمن نهدر فيه الكثير الكثير من الساعات دون فائدة؟

majdo
12-28-2010, 10:55 AM
;lكم مضى من العمر ولم نفكر في هذه الدقيقه
ولو تمسكنا بها وفهمناها فانها لا تقدر بكل الاموال
الشكر الجزيل اخت مياده

Mayada oulabi
12-28-2010, 01:20 PM
;lكم مضى من العمر ولم نفكر في هذه الدقيقه




ولو تمسكنا بها وفهمناها فانها لا تقدر بكل الاموال

الشكر الجزيل اخت مياده






كلامك صحيح أخي مجدو


أخذت قرارا" أن أعمل بهذه الدقيقه في جميع أمور حياتي بعد أن قرأت هذه القصه
أعتقد أنني كنت أتسرع بكثير من الأمور في حياتي


وما زال الوقت كافيا للتغيير


أسعدني مرورك جدا

شمس العصر
03-30-2011, 11:35 PM
حلوة القصة .. ميادة ..
رائعة ..
شكرا لك عزيزتي ..

Mayada oulabi
03-31-2011, 11:20 AM
أسعدني مرورك يا شمس

بعد قرآئتي لهذه القصة تعودت أن لا آخذ أي قرار وأتسرع به

دائما أعطي لنفسي دقائق قبل التنفيذ

(معظم الأحيان يتغير قراري بانتظاري الدقيقة)

علي محمود
03-31-2011, 11:42 AM
أختي الفاضلة ميادة ....
الله يكرمك ... الله يكرمك ... الله يكرمك ...
كنت في احتياج شديد لقراءة شئ عن الفلسفة لأنها عشقي القديم ... ومع انشغالات الحياة لم تسنح لي الفرصة لأبحث وأجد شيئا يستحق القراءة ... ولكنك بكرمك الشديد أحضرت الي وبدون تعب مني هذه القصة الرائعة ... انها ليست قصة ... انها درس فلسفي ...لنتعلم كيف نقرأ النفس البشرية ... ونتعامل معها ...
لقد أشبعت لي رغبة كنت تواق جدا لتلبيتها ... شكرا جزيلا لك flower

Mayada oulabi
03-31-2011, 04:50 PM
أسعدني مرورك أخي الفاضل علي محمود


نحن فعلا بحاجة لقرآءة مثل تلك القصص


وهذه السيدة تذكرني بكثير من السيدات مثلها اللواتي تعرفت عليهن أثناء اقامتي في ألمانيا


الحنكه والذكاء وفلسفة الحياة ...الحياة المادية البحته التي لا تخلو من مواقف انسانية أثناء مخالطتنا


لهذا الصنف من الناس البعيد جدا عن عاداتنا وكرمنا.


تخيل مرة جارتنا العجوز أستغاثت بزوجي بعد أن وقع زوجها من فوق البسكليت أثناء فسحته


ما كان من زوجي الا أن أسعفه بسرعة وأخذه للمشفى وأتم له باقي العلاج والمساعد


ركضت العجوز وفتحت محفظة نقودها لتعطي زوجي أجر ما قام به من عمل انساني


وفوق ذلك هو أول جار وليس السابع الذي أوصى به رسولنا صلى الله عليه وسلم


كم كان صعبا على هذه العجوز أن تفهم أننا لا نأخذ أجر ذلك

طوق الياسمين
04-12-2011, 03:00 PM
قصة جميلة جدا والمعروف لايضيع ابدا

سندس
04-12-2011, 04:00 PM
أختي الفاضلة Mayada oulabi

بارك الله فيك

موضوع فية عبره وفعلا المعروف لا يضيع وخصوصا عند الله

سلمت يمناك

Mayada oulabi
04-12-2011, 10:19 PM
قصة جميلة جدا والمعروف لايضيع ابدا



أسعدتني مشاركتك ياعزيزتي طوق الياسمين

كم هو جميل (طوق الياسمين ) أتخيله

فعلا المعروف شيء جميل جدا وهو لايضيع أبدا

zeze nasir
04-13-2011, 12:03 PM
انا بشكرك اوي علي الموضوع المميز اللي طرحتيه علينا لانه برغم انك وصلتلنا فكره امتعتينا بقصه وده ذكاء منك لانك شدتيني ان اسرع من قراءه الموضوع لاخره من كتر ما هو هادف وممتع heartوليكي ورده مني(f)

Mayada oulabi
04-13-2011, 12:14 PM
أنا سعيدة جدا لسعادتك واستمتاعك بالقصة يا عزيزتي

أسعدني مرورك جدا / انت فعلا نورت الموضوع

أتمنى أن أراك في مواضيع أخرى

وأن تقضي معنا أوقات سعيده

شكرا وبارك الله فيك

أسامه عباس
04-13-2011, 05:53 PM
سافرت كثيرا وقابلنى الكثير من الناس لهم مثل هذه الحكمة ولكنهم كانوا فوق السبعين

Mayada oulabi
04-13-2011, 09:15 PM
أكيد أخي أسامه سيكونوا معمرين

لأنهم عاركوا الحياة وتعلموا منها الكثير

( ولأن الحياة مدرسة )

الحبوبة...
04-16-2011, 07:30 PM
مشكوررررررررررررة عزيزتى ميادة على هذه القصة الرائعة

Mayada oulabi
04-19-2011, 03:05 PM
مشكوررررررررررررة عزيزتى ميادة على هذه القصة الرائعة




أشكرك على المرور عزيزتي الحبوبه

بارك الله فيك

كدي
02-07-2012, 10:24 PM
و الله قصة جدا مفيدة
و الله قرأتها أكثر من مرة
أشكرك كل الشكر يا سيدتي الفاضلة
ولا تنسي بس دقيقة في ذكر الله dwink
دمتي بسلام دوما

سجود
02-07-2012, 11:49 PM
يـــا الله...روووووووووووووووووووووووووووووووعةgoodgood اروع قصة بسمعها,سلمت يداك اختي الكريمة انا اعشق القصص الي متل هيك مع انها بتغلبني وبقراها اكتر من مره ههه.

يا ريت الانسان بس يعتبر يا ريت نصحى خلينا نصحى ونعرف إنا في هالدنيا زوار خلينا يا بشر نستغل كل دقيقة كل ثانيه...
اذا الثانيه بتغير قرارات طبعا بشرط كيف الساعات...flowerflowerflowerflowerflower

Mayada oulabi
02-08-2012, 12:52 AM
و الله قصة جدا مفيدة

و الله قرأتها أكثر من مرة
أشكرك كل الشكر يا سيدتي الفاضلة
ولا تنسي بس دقيقة في ذكر الله dwink

دمتي بسلام دوما






ولا تنسى بس دقيقة في ذكر الله

لا اله الا الله

أشكرك أخي الفاضل على المرور

Mayada oulabi
02-08-2012, 12:55 AM
يـــا الله...روووووووووووووووووووووووووووووووعةgoodgood اروع قصة بسمعها,سلمت يداك اختي الكريمة انا اعشق القصص الي متل هيك مع انها بتغلبني وبقراها اكتر من مره ههه.

يا ريت الانسان بس يعتبر يا ريت نصحى خلينا نصحى ونعرف إنا في هالدنيا زوار خلينا يا بشر نستغل كل دقيقة كل ثانيه...
اذا الثانيه بتغير قرارات طبعا بشرط كيف الساعات...flowerflowerflowerflowerflower




إننا في هذه الدنيا زوار .. فلنستغل كل دقيقة وكل ثانيه...
وليبقى لساننا دائما" رطبا" بذكر الله ..
لا اله الا الله ..

أشكرك عزيزتي سجود على مرورك العطر

سمير علبي
06-10-2013, 12:16 AM
جميل أن نستذكر ما خطه أهل هذا المنتدى